في أحدث عدد أصدرته مجلة «ذي نيشن» (14-21 أغسطس الحالي) لم تتورع المجلة الأميركية المستنيرة عن تحميل إدارة الرئيس بوش مسؤولية وصفتها بأنها أقرب إلى «التواطؤ» الصامت على مقتل وتشريد آلاف من المدنيين اللبنانيين، فضلا عن تدمير مرافق البنية الأساسية في لبنان وتعميق وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلد المذكور.

وفي هذا الصدد تقول المجلة الأميركية بالحرف الواحد: باختصار سوف توجه إلى واشنطن تهمة وصفتها لويس آربور، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأنها «جرائم حرب محتملة» وذلك كفيل - تضيف المجلة - بأن يولّد ويُفرخ مزيداً من البغضاء والكراهية ضد أميركا وإسرائيل في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويضاف إلى ذلك شعور إسرائيل بأنها بمنأى عن الحساب أو العقاب إزاء ما ارتكبته من قتل أربعة من مراقبي الأمم المتحدة بصواريخها الدقيقة التوجيه (بمعنى أنها ليست عملية عشوائية ولا إحدى المصادفات السيئة التي تعد من الآثار الجانبية الناجمة عن اشتعال القتال).

تؤكد المطبوعة الأميركية أيضا أن استراتيجية واشنطن كانت ترمي ببساطة إلى «شراء» مزيد من الوقت أمام العسكرية الإسرائيلية لكي تنجح في تحجيم أو تقزيم قدرات حزب الله اللبناني، مع تكليف رايس وزيرة خارجيتها بالعمل على «بناء تأييد دولي يرمي إلى دعم الحكومة اللبنانية والى الضغط على سوريا كي توقف دعمها لحزب الله». أما الغرض المعلن أو المكشوف لإدارة واشنطن فكان تحطيم حزب الله لصالح سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل التراب اللبناني وضمان حدود آمنة (لصالح إسرائيل) بمساعدة قوات دولية.

بيد أن المجلة الأميركية لا تلبث تؤكد أن تأييد واشنطن للهجوم العسكري الإسرائيلي (وقد وصفته المجلة بأنه أتى مفرطاً وغير متناسب) كان تأييداً بغير معنى ولا طائل، لأن الذي حدث هو «أن الهجمات الإسرائيلية أضعفت حكومة لبنان وزادت شعبية حزب الله.

نشرت المجلة هذا التحليل قبيل صدور قرار مجلس الأمن 1701 وما تلاه من وقف العمليات العسكرية وبدء انسحاب قوات العدوان الصهيوني من أرض لبنان.

ورغم أنها صدقت في تحليلها إلى حد ليس بالقليل، ولأنها استندت إلى قراءة أقرب إلى الحيادية حتى لا نقول الموضوعية لمتوالية المواجهة ودلالات الأحداث - إلا أن الأهم عندنا هو تأكيد المجلة الأميركية أن كل ما حاق بلبنان، وكل ما أصاب إسرائيل إنما يدخل في باب النتائج الناجمة بدورها عن الجذور الأصلية والمتمثلة بداهة في قضية القضايا بالشرق الأوسط وهي باختصار شديد: دور إسرائيل بوصفها قوة احتلال غاشم - وكل احتلال لابد وأن يكون غاشماً بحكم التعريف لمساحات واسعة من الأراضي العربية.

ومن عجب أن حكاية الجذور وردت في مستهل اندلاع الصراع على لسان الدكتورة رايس شخصياً حين قالت عشية رحلتها في مطالع أغسطس إلى المنطقة: نحن بحاجة إلى التصدي لجذور الأزمة الراهنة.

لكن من الأعجب أن وزيرة الخارجية الأميركية، وهي أستاذة علوم سياسية بحكم المهنة والتخصص الأكاديمي ـ تنكّبت تقصي الجذور الحقيقية وربما أساءت توصيف الحوادث المأساوية التي ألمت بالمنطقة وشعوبها ومرافقها وامكاناتها في صيف العام الحالي المتأجج الالتهاب.

أولاً إن الأمر لا يتعلق بأزمة بمعنى مشكلة صعبة نوجد لها حلاً أو تسوية ثم تمضي وتفوت، وتتحول من حيز الحالة الراهنة، إلى تصنيف الماضية أو السابقة.

إنها بالدرجة الأولى قضية تتعلق بمصير شعب بأكمله هو الشعب العربي الفلسطيني وهي قضية لها تداعياتها وتستمد أصولها من واقع العقلية الاستيطانية - التوسعية التي مازالت تصدر عنها الحركة الصهيونية التي ما برحت تتعامل مع «إسرائيل» لا بوصفها كياناً ولا حتى بوصفها عضواً في الأمم المتحدة ولكن بوصفها «مشروعاً» وبوصفها مخططاً له أطماعه الإقليمية وله طموحاته غير الجائزة وغير المشروعة ولا يمكن السماح بها بحال، لأنها تود تنفيذ هذا «المشروع» أو المخطط على حساب الأرض والمصالح والمستقبل، الذي يخص شعوباً أخرى تنتمي بمصادفة تاريخية إلى الأمة العربية.

هكذا تصل الإدارة الأميركية - رغم ما تتمتع به من حداثة الأجهزة والمعلومات والتحليلات إلى المحصلة الخاطئة التي تفيد بحقيقة مغلوطة تقول: جذور المشكلة تعني حزب الله - وتداعيات هذه الجذور اسمها ما يتلقاه هذا الفصيل القيادي في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من مؤازرة من سوريا أو دعم من إيران.

في هذا السياق تحيل مجلة «ذي نيشن» إلى الأكاديمي العربي - الفلسطيني البارز رشيد الخالدي الأستاذ بجامعة كولومبيا وتنقل عنه سطوراً مهمة يقول فيها: يمكن تقصّي الجذور الأساسية (لما يحدث في الشرق الأوسط في حقيقة الاثنين والأربعين عاماً من احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية.

ويمكن التماسها أيضاً من واقع الاستراتيجية الإسرائيلية التي تعمد إلى تجنب المفاوضات التي من شأنها حل النزاع فيما تعمد إلى فرض إرادتها بالقوة (الغاشمة المسلحة) حيث لم يفض هذا السلوك سوى إلى حالة من «الردْكلة» بمعنى تحويل عناصر كثيرة في المعسكرين الفلسطيني واللبناني إلى فئات راديكالية متشددة ومتصلبة وكان في ذلك إضافة ولاشك إلى قوة وشعبية كل من حماس وحزب الله.

كتب البروفيسور رشيد الخالدي هذه السطور ضمن مقالة نشرتها «ذي نيشن» في عددها الذي ألمحنا إليه محذراً من سورات الغضب الذي بات يجتاح العالم العربي، ومنذراً - كما يقول في ختام مقاله - بضرورة أن يعمد ساكن البيت الأبيض إلى «كبح جماح نوازعه السوداء وبالتالي كبح الغرائز الظلامية لرؤساء أركان الحرب في إسرائيل الذين يديرون العرض الدرامي الحالي».

ولو فعلوا ذلك لأمكن وقف التدهور المطرد نحو الهاوية وإلا، يحذر رشيد الخالدي - فإن الولايات المتحدة والشرق الأوسط سوف ينحدران إلى حيث الكارثة.

ولقد يقول قائل ان الدكتور الخالدي يطرح هذه الآراء أو التحذيرات من موقع الانتماء الأساسي إلى الأمة العربية لكن موضوعية المطبوعة الأميركية حرصت على أن تشفع آراءه هذه بمقال مهم آخر نشرته بقلم المحلل الإسرائيلي هليل شنكر الذي كتب من تل أبيب تحت عنوان «المشهد من إسرائيل».

يقول: إن ما نحتاجه اليوم هو أن تتواكب الجهود الدولية بشأن وقف إطلاق النار مع اتخاذ خطوات سياسية تهدف إلى استقرار الأوضاع وتشمل نشر قوة دولية يعتد بها على طول حدود لبنان - إسرائيل فيما يتم الإفراج المتبادل عن الأسرى والسجناء، بعدها يمكن أن نعود إلى التعامل مع القضية الفلسطينية - الإسرائيلية على أساس الحل الذي يتوخى وجود دولتين (فلسطين وإسرائيل).

في السياق نفسه أيضا علينا أن نسترجع عدداً من الإعلانات والتصريحات التي تعكس قدراً محموداً من رشد الرؤية وعقلانية التصور ومنها ما نشرته يوم 6 يوليو الماضي كبريات الصحف البريطانية بتوقيع 300 من كبار الشخصيات اليهودية في بريطانيا التي استنكرت وقتها ما وصفته بأنه «سياسة العقاب الجماعي ضد الشعب الفلسطيني في غزة».

ويضاف إلى ذلك ما نشرته مع منتصف أغسطس الحالي صحف شتى في الولايات المتحدة تدين بدورها العدوان الإسرائيلي الوحشي على شعب وأراضي ومرافق لبنان، وفي هذا المضمار يقول البيان الذي حمل توقيع شخصيات دينية وسياسية وأكاديمية (المؤرخ اليهودي ا؟يه شلايم الأستاذ في أكسفورد وكامبردج مثلاً): ان السبيل الواحد (لاتقاء الكوارث) هو ضمان مستقبل مختلف قوامه السلم والأمن ويتحقق من خلال انهاء الاحتلال (الإسرائيلي للأراضي العربية) وإقامة علاقة تنهض على أساس المساواة والاحترام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ثم بين الإسرائيليين والدول المجاورة.

كاتب سياسي مصري