لاشك ان الجميع قد استوعب أن لبنان لم يُهزم في مواجهة الحرب الإسرائيلية ، برغم الجراح الثخينة التي أصيب بها في إنسانه وفي عمرانه. بل ان الخاسر الأكبر هو العدو الصهيوني.الذي تكبد هزيمة إستراتيجية تبدد أسطورة إسرائيل التي لا تُغلب. والآن، وفيما بدت إسرائيل ضعيفة، فإنه تتاح لجميع القوى المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية ، فرصة لاستثمار الوضع وتكثيف جهودها من اجل نسف كل خطوات واشنطن وتل أبيب في ضرب الوحدة العربية وبناء شرق أوسط جديد.

وما يساعد على تجسيد هذه الخطوة هو احتمال أن تضطر واشنطن في وقت ما إلى التضحية بالمصالح الإسرائيلية من أجل المحافظة على مواقعها في المنطقة. ويمكن أن يلقي هذا بمزيد من علامات الاستفهام على استمرار الدولة العبرية، على الأقل، في شكلها الحالي، ويمهد هذا الضعف لتعميق الأزمة السياسية والعقائدية التي تواجه إسرائيل.

لقد تراوح الموقف الإسرائيلي خلال عقد من الزمن بين تقديم تنازلات إستراتيجية إلى الأعداء واتخاذ إجراءات قاسية ضد الفلسطينيين. ولم يذهب هذا التردد والتذبذب أدراج الرياح، فمزيد من الإسرائيليين يفكر بالهجرة من إسرائيل الآن. ويمكن أن يؤدي الضعف الإسرائيلي إلى تفكك دول أخرى في المنطقة التي تعتمد حكومات الكثير من بلدانها على ضرورة مجابهة إسرائيل. وقد تكون نهاية إسرائيل بداية لعصر جديد.

إن حرب لبنان الثانية مرت على الكيان الصهيوني بشكل سييء للغاية جعلها تبدو كما لو كانت مخدرة أو غائبة عن الوعي. فما عايشه الكيان الصهيوني خلال الأسابيع الخمسة المنقضية لم يسبق وعاش شيئاً مماثلا له منذ إنشائه قبل نحو 60 عاما، فالخطط الحربية لم تكن كافية وجهاز المخابرات غير فعال في الوقت الذي تصاعدت فيه المواجهات الغاضبة بين الحكومة والقيادات العليا، وزادت حدة الخلافات بين الوزراء .

والآن حان الوقت لتكريس الوحدة العربية بصفة عامة والوحدة اللبنانية بصفة خاصة واللعب على أوتار الفشل السياسي الذي مني به الكيان الصهيوني في حربه على لبنان، ومن حق الشعب اللبناني ، أن يطمئن إلى صلابة موقف سلطته وتوحّدها في مواجهة محاولات إسرائيل لأن تفرض عليه، سلماً، وبقراءتها الخاصة للقرار ،1701 ما لم تستطع أن تفرضه عليه بحربها التي امتدت لخمسة أسابيع طويلة من الجحيم المفتوح فكادت تحوّل نصف مساحته إلى أرض محروقة، وكادت تحقق بها الشعار الذي اتخذته هدفاً لحربها»إعادة لبنان ثلاثين سنة إلى الوراء«.

لقد واجه اللبنانيون، شعباً وسلطة وجيشاً، هذه الحرب الإسرائيلية بوحدتهم الوطنية وبتكافلهم الاجتماعي الذي فتح القلوب والبيوت في المناطق التي لم تحرقها نيران الحرب الإسرائيلية، للذين دمّرت الهمجية الإسرائيلية بيوتهم في مدنهم وفي قراهم وفي الضواحي الجنوبية للعاصمة بيروت.

كذلك فقد ساند اللبنانيون حكومتهم وهي تخوض المعركة السياسية الدبلوماسية، فحجب المعارض معارضته، وأرجأ الناقم نقده، وتوافق الجميع على ضرورة شد أزر السلطة باعتبارها الوجه الآخر للمقاومة في مواجهة الحرب الإسرائيلية.

ومع ان آخر يوم للعدوان كان واحداً من اشد ايام الحرب تصعيداً في العمليات والغارات والقصف، فان ذلك لم يحجب في المقابل ان ساعة الحقيقة الاقسى للبنان تبدأ مع وقف العمليات علماً ان ثمة شكوكاً كبيرة في ان يعني ذلك وقفاً شاملاً للعمليات، فالمرحلة الفاصلة عن بداية نشر القوة الدولية في الجنوب محفوفة بخطر انهيار وقف العمليات الحربية في اي لحظة، والبرمجة الزمنية والاجرائية لتنفيذ القرار 1701 ليست امراً سهلاً على الإطلاق.

ومع ذلك فان ما سيشهده لبنان يشكل فاتحة حقبة جديدة بكل معالمها حيث سيبدأ العد العكسي لعودة النازحين وعودة الاعمار في اكبر ورشة عرفها لبنان منذ ما بعد حرب 1975. وكل ذلك سيكون بمثابة سيف مصلت على القرار السياسي الذي سيجد نفسه أمام اختبار مصيري بكل ما للكلمة من معنى.

والأهم أن يستطيع الجميع أن يجتمع تحت راية الوحدة الوطنية، وألا نكون كمن يساعد الحرب الإسرائيلية على تنفيذ ما لم تستطع أن تحققه بنارها.

ولبنان بحاجة اليوم إلى التفاف شعبي من اجل إعادة الاعمار ، والتخلي عن الشعارات الطائفية والحزبية لأننا في الواقع بحاجة إلى وطنية وعمل بناء وطني من أجل إعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة من اجل تكريس الديمقراطية والحرية في هذا البلد. وقد آن الأوان لان يترجم العرب تلك البيانات والشعارات التي رفعوها خلال الحرب وأن يقفوا إلى جانب لبنان في تحديها الثاني الرامي إلى الحفاظ على وحدتها من جهة وإعادة إعمار المنطقة من جهة أخرى.

benhadnal@yahoo.fr