بدلا من أن تفتح الصحف العربية صفحاتها لكتاب من ذوي الضمير الحي أمثال روبرت فيسك وألان مينارغ ونعوم تشومسكي وجور فيدال وديفيد ايرفينج وكارين ارمسترونج وغيرهم من عشرات الغربيين أصحاب المواقف المحترمة والتفكير الحر، نجدها تتسابق للحصول على مقالات الكتاب الغربيين أصحاب المواقف المتطرفة تجاه العرب والمسلمين بعدما دخلوا ساحة الكتابة على دبابات المحافظين الجدد.
وليس الخطر في هؤلاء بل الخطر الحقيقي هو في توالد جيل من الكتاب العرب يكابد ليزايد على هؤلاء معتبرا ذلك نوعا من العصرنة والتمدن.
ويحتار المرء حين يقارن بين الكتابات المنشورة في الصحف العربية ونظيرتها العبرية خلال العدوان الأخير على لبنان أيها عربي وأيها إسرائيلي ؟
فمن العرب من كان يطبل لآلة الحرب الإسرائيلية ويشجعها على التعامل بضراوة وكأن المقاومة في فلسطين ولبنان قتلت أباه لدرجة أن أحدهم تمنى (أن يكون جندياً إسرائيلياً ) وآخر حذر من الانسياق وراء (الأحلام الفارغة لدعاة النضال) وثالث اعتبر أنه (لا يمكن النظر إلى حسن نصر الله إلا باعتباره مجرم حرب خطيراً لا يختلف في شيء عن أقرانه من مجرمي الحزب النازي) ورابع وخامس، وخمسون، كشفوا عن براعة لا نظير لها في تقليد المتطرفين الغربيين، كأنهم مزيج من القردة والببغاوات لديهم موهبة في كل شيء إلا في استخدام عقولهم.
بعض هؤلاء انساق وراء مواقف أولية لعدد من الأنظمة ولم يجدوا حرجا في تعديل مواقفهم بعدما غيرت الأنظمة مواقفها، وآخرون عبروا عن مكنون ما في صدورهم محاولين تقديم أنفسهم للغرب كأبطال يواجهون الأفكار الرجعية المتطرفة من قبيل مقاومة المحتل، والاستشهاد في سبيل عودة الحقوق المسلوبة.
وتحت ستار مقاومة الأفكار المتطرفة يعادي هؤلاء شرائح واسعة من العالم العربي، الإسلاميين بكل تلاوينهم ومذاهبهم، والقوميين والناصريين واليسار.
ولا يسلم من عدائهم الليبراليون الذين ينطلقون في قناعاتهم من مصالح وطنية لدولهم. والنتيجة أن المعارك التي خاضها مقاتلو حزب الله انعكست قتالا باسلا وشجاعا وأحيانا انتصارا في الصحف الإسرائيلية.
فيما اعتبرتها غالبية الصحف الغربية مغامرة جرت تدمير لبنان، أو معركة لحساب إيران على أرض عربية، والذين اعترفوا ببسالة حزب الله عزوا ذلك ليس إلى شجاعة رجاله ولا حسن إعدادهم ولا صلابة عقيدتهم القتالية، بل نسبوا هذه البسالة للسلاح الذي منحته لهم إيران وكأن الإسرائيليين كانوا يقاتلون بسيوف صدئة في مقابل ترسانة عسكرية مهولة لحزب الله !!
في الغالب فإن العبارات المسمومة التي تنشرها بعض الصحف العربية والمواقف المشبوهة لكتابها لن تضير المقاومين في كثير أو قليل، فالانتصارات تحدث في ساحات المعارك وليس على صفحات الصحف. وتنظيمات المقاومة العربية وعت دروس التاريخ جيدا فأصبحت تقاتل البروباغندا بسلاح الحقيقة، وهذا ما منحها مصداقية لدى أعدائها الإسرائيليين، أما عن العرب فليس مهما أن تكون صحف العرب كبعض أنظمتهم (نصف زائفة) وليس محبطا أن تصف المقاومة بما تصفها به، فليس منطقيا أن تزهر وردة في حقل أشواك.
صحفنا للأسف جزء تابع لواقعنا المتردي، ومن يحاولون صنع المستقبل لا يجب أن يطيلوا البكاء فوق قبور الواقع.
هؤلاء النفر من الكتاب هم (عرب كارهون لأنفسهم) فهم لا يعادون المقاومة باعتبارها رد فعل الأمم الحية على أي احتلال، بل يعادون حزمة السياسات التي يمكن أن تقود إلى استقلال حقيقي للدول العربية المستقلة، وإلى اكتفاء ذاتي في كل الميادين، كما أنهم يعادون مفهوم الكرامة باعتبارها من مخلفات الماضي.
ومفهوم الحرية إذا كانت الانتخابات ستأتي بأناس ليسوا على شاكلتهم، ومفهوم الطموح الوطني أو القومي، فبضاعتهم الانسحاق وطأطأة الرؤوس حتى تدخل خيول الغرب وثقافاته وعولمته. وتتحول مخططاته إلى واقع يجعلنا ترسا في ماكينته الضخمة. فلا تقوم لنا قائمة بعدها.
هم يحلمون مع أولياء نعمتهم بأن تتحقق خرافة نهاية التاريخ، هم مساكين لا يعلمون أن من يضع نهايات الأشياء هو الخالق الذي أوجدها من عدم، وأن الصراع بين الخير والشر سنة الحياة، وليس الشر الغربي هو من ينتصر في نهاية المطاف إذا ما كان هناك انتصار.
magdishendi@hotmail.com