منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي وعلى مدى أكثر من نصف قرن وإسرائيل تستخدم معنا نحن العرب نظرية معروفة في الاستراتيجيات الأمنية والعسكرية تحت اسم «نظرية الردع بالظن»، ومفاد هذه النظرية أنك لست في حاجة لأن تملك قوة جبارة لا تقهر إذا كنت تستطيع كذبا أن تقنع عدوك وتزرع في فكره ووجدانه أن هذه القوة موجودة لديك، وهذا ما تسلكه إسرائيل مع العرب، وخاصة بعد يونيو 1967.
وحتى بعد انتصار أكتوبر عام 1973 لم تتخل إسرائيل عن هذه النظرية، ونحن العرب للأسف الشديد لم نتخل أيضا عن خضوعنا لهذه النظرية وإيماننا الكامل بأن إسرائيل لديها قوة لا تقهر، ووصل بنا الأمر في الخضوع إلى درجة أننا لم نؤمن أننا انتصرنا في حرب أكتوبر، ولم نقتنع أننا حطمنا خط بارليف الذي جعلوا منه أسطورة تاريخية.
رغم أن تحطيمه تم بوسائل غاية في البساطة والبدائية باستخدام مضخات الماء القوية الدفع، وذهب البعض يشكك في هذا النصر ويعتبره مؤامرة متفقا عليها بين مصر وأميركا وبعلم إسرائيل، وكانت حجتهم في ذلك ما أفضى إليه هذا النصر من نتائج صبت معظمها في صالح إسرائيل، هذا على الرغم من أن الإسرائيليين أنفسهم اعترفوا بالنصر العربي في هذه الحرب ومازالوا يتعاملون مع السادس من أكتوبر مثلما نتعامل نحن مع الخامس من يونيو.
وقد دعم نظرية الردع بالظن الإسرائيلية الوهم الثابت لدى العرب بأن أميركا وراء إسرائيل، وأن من يحارب إسرائيل فإنه في الواقع يحارب أميركا، ونقول انه وهم لأنه بالمقاييس الاستراتيجية الواقعية فإن الدعم الأميركي مهما بلغت قوته لا يمكن أن يضمن النصر لإسرائيل، والحروب والصراعات المسلحة ونضال الشعوب ضد المعتدي والمغتصب قد يلعب فيها السلاح دورا رئيسيا لكنه ليس الدور الحاسم والنهائي، ولدينا الأمثلة على ذلك كثيرة ويصعب حصرها من فيتنام وكمبوديا وكوبا والجزائر ومصر ولبنان وأفغانستان وغيرها أمثلة كثيرة واجهت فيها شعوب هذه الدول قوى عسكرية جبارة لا يمكن قهرها لكنها في النهاية انتصرت عليها.
لقد انهزمت إسرائيل على الجبهة المصرية، وانهزمت على الجبهة اللبنانية وانسحبت منها أكثر من مرة، ولا يمكن لأحد أن يقول ان إسرائيل انتصرت في مواجهة انتفاضة الحجارة الفلسطينية، وهذا ليس كلام شعارات، بل كلام الإسرائيليين أنفسهم الذين درسوا مدى خسائر إسرائيل الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية من جراء استمرار الانتفاضة فوجدوا أن صمود الفلسطينيين كبد إسرائيل من الخسائر ما ينفي وجود أي انتصار أو إنجاز من وراء كل إجراءات القمع الشديدة التي استخدمتها ضد الانتفاضة.
ما زلنا نخضع بمحض إرادتنا لنظرية أو مخطط الردع بالظن الإسرائيلي حتى ونحن نشاهد انتصاراتنا بأم أعيننا، ونحن نشاهد المقاومة اللبنانية بإمكاناتها المادية المتواضعة تقهر العدو الإسرائيلي وتقتل جنوده وتحطم سفنه ودباباته وتقصف مدنه الكبيرة، وتصيب شعبه بالرعب والفزع، وبينما هم داخل إسرائيل يتبادلون الاتهامات حول الهزيمة وكل منهم يحاول أن يبرئ نفسه منها ويلقي بالمسؤولية على الآخر.
بينما نحن نتبرأ من النصر ونرفض أن ننسبه لأنفسنا ونستحي أن نحتفل به خشية أن نُغضب عدونا (المهزوم) الذي هو ثابت في وجداننا بأنه لا يقهر، حتى سمعنا بعضنا يخفف من هزيمة إسرائيل ويقول انها كبوة وتعود بعدها لتفيق علينا وتدمرنا، بينما البعض الآخر يقول علنا «انا لن أحارب عن لبنان وليذهب يحارب من يريد أن يحارب»، ويقول الآخر إنها مغامرة سوف ندفع نحن العرب جميعا ثمنها، بينما ينسب البعض النصر والحرب كلها لغيرنا.
كل هذه الآراء التي سمعناها ونسمعها ربما يعتقد أصحابها أنهم على حق، وربما يعتقدون أنهم يتكلمون من واقع ضمائرهم وحماية لشعوبهم وأوطانهم من الدمار الذي لحق بلبنان وشعبه، في حين أنهم في الواقع كلهم بلا استثناء خاضعون في وجدانهم لتأثير مخطط الردع بالظن الذي تمارسه إسرائيل معنا بمختلف الوسائل الدعائية والإعلامية.
هذا المخطط الذي تدعمه واشنطن دائما بمواقفها وتصريحاتها التي تحاول فيها أن تؤكد وتثبت لنا مدى تمسكها بإسرائيل ومدى خصوصية علاقاتها معها حتى أطلق عليها سيد البيت الأبيض الحالي وصف «العلاقة المقدسة»، وهذا أيضا في حد ذاته تكريس واضح لمخطط الردع بالظن، حتى يجد البعض منا الحجة ليقول «كيف أحارب دولة تربطها بأميركا علاقة مقدسة ؟»، رغم أن العالم كله يعلم أن آخر دولة في العالم تؤمن بالعلاقات المقدسة هي أميركا التي التزمت منذ وجودها بالطابع البراغماتي البحت بل والفج في علاقاتها مع الآخرين.
إنه الردع بالظن الذي تمارسه معنا إسرائيل في كل شيء، حتى حول سلاحها النووي المزعوم الذي لا يعرف أحد عنه أي شيء، والذي يشوبه الغموض الشديد حتى حول وجوده ذاته من عدمه، وإن كان الحديث حول هذا الأمر يطول ولا يتسع له المجال هنا، لكننا على يقين من أنه لا يخرج أيضا عن مخطط الردع بالظن.
elmoghazy@hotmail.com