لو نصبنا كمينا من أعالي سطوح أبراج بيروت الشاهقة، لنطلق الرصاص على الهاربين بأرواحهم نحو الباخرة التي أقلت الأجانب إلى قبرص إبان القصف الإسرائيلي، لما أصاب الرصاص أحدا، ليس بسبب عدم دقة الرماية، وإنما بتفوق سرعة الأقدام والسيقان في مهب الريح على سرعة الرصاص وهم يجرون بأرواحهم و ملابسهم (أوب دونها) في هلع وولع نحو السيف والرصيف الراسي بمركب النجاة.
وخيل لي (بضم الخاء) أن أحد سفراء الدول الأجنبية طلق زوجته وهو يجري للداخل عكس اتجاه الريح، قائلا : مدام أنتي طالق لكنها ليست من فئة أغضب الحلال أو مما لارجعة فيها، وإنما رصاصة رحمة لتنقذك من مسؤوليات الزوجية، ولتنطلقي مع الهاربين للخارج بحرية، ودون التفكير أو الرجوع للوراء. ودهش الهاربون والهاربات ومنهم السفراء والسفيرات الأجانب. لأن السفيرة المطلقة رفضت مغادرة بيروت إلى الخارج، وإنما عادت هي الأخرى كطليقها تهرول للداخل، وقررت البقاء في بيروت.
ذهبوا إليها يسألونها: كيف تفضلين الإقامة في بلاد فضاؤها اليوم قنابل، وفناؤها غدا انفجار المباني والمواسير والمجاري والتلوث ومخلفات القنابل وزحمة مرور النعوش وسيارات الموتى، والإسعافات (بلا إسعاف) وقمم القمامات، وانقطاع الكهرباء وما يتبعها من تلوث البيئة والأمراض.؟
قالت حرم السفير(والمطلقة) حاليا: مع كل هذا بيروت «جنة» في مخاض قد تلد جنة أخرى اسمها «الشرق الأوسط الجديد» وسألت: أين أجد الابتسامات على شفاه الناس.؟ أين أرى الوجوه الضاحكة مع كل ما تعانيه من شقاء.؟ أين أشعر بدفء الحنان الذي أحس به في لبنان.؟
إنني تنقلت مع زوجي في السلك الدبلوماسي لعشرين سنة، لم أر شعبا طيبا كهذا الشعب، ومرحا كهذا الشعب، ولم اشعر بالصداقة الحقيقية إلا بين هذا الشعب؟ ما عرفت أنسانا هنا إلا وبعد دقائق شعرت به من أعز أصدقاء العمر وأقدمه.
بيروت أبكيها لأنني أحبها، فلن أفارقها باكية، وإنما سأبقى لأفارقها ضاحكة مستبشرة، بيروت لا تنقصها أشياء كثيرة، والقليلة يمكن إصلاحها وتكوينها وتشكيلها من الداخل للداخل إذ توجد في الداخل ما يعفيها من الخارج.
أنا مؤمنة أن بيروت قادرة أن تغسل وجهها، وواثقة أنها لن تغسل الدماء بالدماء وإنما بالماء للبقاء، أنا واثقة أن بيروت أشبه بملكة جمال ترتدي خرقة بالية، حذاؤها (محلي) مقطوع، يعفيها من المستورد المشموع، رايتها شامخة، ورأس رافع الراية مرفوع، وصوته مسموع
إلى هنا انتهى سيناريو مطلقة السفير، دون أن تنتهي بشائر وسيناريوهات بيروتية لبنانية/عربية عربية، التي سبق لها الكل مهرولا للإنقاذ والبناء والتعمير وأولى تلك البشائر، الولادة الجديدة تحت الزيتون والأرز والانتقاض في آن واحد، إذ ولد عمر وعلي وجورج وبطرس ووليد في المساجد والكنائس والجبل في آن واحد، وخرجوا نصف أحياء من الأنقاض بعزيمة واحدة رايتهم: (لا طائفية ولا عرقية وإنما جنوبية شمالية/ لبنانية لبنانية)
وأيضا أولى تلك البشائر، قوافل الإمارات (بلادي الحبيبة)، الإمارات السباقة دائما للبناء والتعمير والتعاون والتصالح والتآزر بشعار وحدتها التي طبقت على نفسها (قبل الآخرين)، فكانت لبنتها الأولى الراية الاتحادية: (دولة الإمارات العربية المتحدة) على يد أبو الاتحاد القائد الفذ الفقيد الراحل الوالد المرحوم الشيخ زايد رحمه الله وتغمده في نعيم جنانه، الذي كان يفوز دائما سباقات التصالح والتسامح مع الآخرين ويسبق تصافح القريب والبعيد، بلهجته المسالمة حتى مع حقوقه الجغرافية (المشروعة) المجاورة.
نعم، تلك لمسة إماراتية معهودة في كل مكان، يشهد لها في بيروت اليوم الأعداء قبل الأصدقاء، كما شهد لها العراق بالأمس ببناء أول مستشفى الشيخ زايد في البصرة، ولجسورها الجوية ذات المخاطرة في بقية المحافظات، وان كلفتها المخاطرة أرواح موظفي سفارتها في بغداد لكنها ظلت تحافظ على أياديها البيضاء الطولى الممتدة إقليميا وعالميا.
واليوم الإمارات نفسها أيضا سبقت الآخرين في مطارات عمان ودمشق وبيروت بطائرات مخصصة لإجلاء العوائل الإماراتية وغير الإماراتية دون تمييز، ولازال الإعلام يصف موظفي سفارة الإمارات بدوي النحل تلاحق لتطفئ ظمأ المحتاجين بعسل البقاء وشهد الآمال وأكسير الحياة. ليس كل ذلك لأنها بيروت العرب وحسب، بل لأن الإمارات هويتها التحابب والسلامة والتعاون مع القريب والبعيد، فكما نزع أشبالنا الألغام من حقول بوسنة وسراييفو والصومال بالأمس البعيد كذلك ستنتزع اليوم كل لغم عن صدر بيروتها الحبيبة.
ولكن الخوف الحقيقي ليس من تلك الألغام التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة ونزعها بمخاطر أرواح محدودة.. وإنما الألغام التي يكون قد زرعها العدو أو لايزال يزرعها عملاؤه من الداخل ويراقبها العدو بالمجهر، ولا يمكن رؤيتها إلا بنفس (المجهر) المفقود على طاولة البيت الداخلي.
وهنا يذكرني التاريخ بالأمس القريب، عندما أراد فقيدنا المرحوم الشيخ زايد نزع الفتيل غير المرئي بين الكويت والعراق برؤيته الثاقبة وبمرهم كلماته الصادقة قائلا: (بين الأشقاء ما هي إلا غمامة عابرة ستنقشع عاجلا أم آجلا). ولكن لا حياة لمن تنادي.
واليوم قد ينضم العالم معي ليسأل: أما آن لهذه الغمامة أن تنقشع قبل التفاقم (بل ودون التفاقم) بين سوريا ولبنان، كي لا يخرج العدو للميدان مرة أخرى برقصة انتصاراته الوهمية في السياسة، بعد رقصته الوهمية الأولى في الميدان بعد أن خرج منكوبا وعلى ظهره جثث جنوده: 119، وعلى جناحيه 750 جريح، بعد أن كان دخل الميدان ليستلم جنديين أسيرين.
والجنديان الأسيران لعلهما كانا أغلى من بقية جنوده القتلى والجرحى فضحت إسرائيل في سبيلهما بكل غال ونفيس، ودخلت حربا سماها «بيريتس» معركة موت وحياة وبجيش لن يقهر، ليخرج بمخلفات ونفايات وسكرابات، تعرف بكل المعايير الدولية بالهزيمة إلا بمعيار البيت الأبيض. حيث لوحظ عالميا وإقليميا الرئيس الأميركي جورج بوش هو الوحيد الذي اعتبر إسرائيل خرجت منتصرة، وإلى جواره قد تترنم السيدة (رايس) أيضا على المخاض الموعود، حيث هي الوحيدة التي رأت الولادة القيصرية دون عملية جراحية.
نعم إنه يرى وأنها ترى، ونحن أيضا نرى لكن بفارق بسيط: نرى مدافع إسرائيل توقفت للخارج وانفجرت للداخل عندما تعهد اولمرت تحمله كافة مسؤوليات هذه الحرب، ولم يعد «بيريتس» يصفها بالحياة والموت، دون إعلان بيان ختامي: (أحياة كانت هي أم موتا.؟)
ونرى خسائر إسرائيل حسب نتائج رسمية إسرائيلية شبه نهائية تفوق 10% من موازنة الدولة الصهيونية، إذ حددت تكلفة الحرب ب: 25 مليار شيكل (6 مليارات من الدولارات)، وبحسب المحرر الاقتصادي لـ يديعوت احرنوت: ستؤدي الحرب إلى تراجع الناتج القومي بنسبة 7,5 وهي ما قيمته 9 مليارات شيكل، ناهيك عن شل كافة معالم ومرافق الشمال السياحية.
و3970 من صواريخ كاتيوشا أدت إلى إلحاق الأضرار بـ 12 ألف شقة سكنية، وبـ 1700 سيارة و 600 ورشة صناعية و100 مصنع والى إحراق 750 ألف شجرة، رغم أن إحراق الشجرة قد لا يؤلم إسرائيل لأنها تمتهن إحراق الشجر.
ونرى أيضا أن 60% من صادرات إسرائيل التي تعادل 40 مليار دولار سنويا من ميناء حيفا، نرى وقد استبدل قميصها بإزارين جديدين اسمهما: (حيفا وما بعد حيفا وكاتيوشا وما بعد كاتيوشا) وعلى الجانب الآخر من الوادي نرى هناك سباقا ومنافسة على من يلبس عنق لبنان قلادة العروس أولا، لبناء لبنان أولا، وتعمير لبنان أولا، وتعويض خسائر لبنان أولا، فهل هناك بنفس الوادي من لإسرائيل بصوت واحد أو بسنت واحد.؟ طبعا لا أقصد بالوادي إلا ما هو خارج اللوبي اليهودي الصهيوني؟
وأخيرا وعلى الوادي نفسه، نرى لبنان البناء والتعمير وقد أشعل شمعته التي لن تنطفئ بعد اليوم إن شاء الله، إذا حافظ على وحدته الوطنية، بدليل أنه أكمل مطار بيروت في غصون 72 ساعة، ويعقد الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب، هو الثالث من نوعه، خلال 35 يوما، يهدف لتقييم الأوضاع في المنطقة في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 1701، وسؤال يطرح نفسه في الاجتماع ، بل يفرض نفسه على كل مواطن عربي ضمن هذا القرار، وهو: من يتحمل خسائر ما دمرته إسرائيل في لبنان ضمن القرار المذكور، الجانب الأميركي الإسرائيلي الصهيوني أم الجانب اللبناني العربي؟..
وبتعبير آخر، هل على العرب أن يعمروا ما تدمره إسرائيل دائما.؟ وقد أجابت عليه كوندوليزا رايس في كلمتها بمجلس الأمن: «أميركا ستدفع خمسين مليون دولار لبناء لبنان»، ولم يتطرق على بال أحد من الحضور أن صاروخا واحدا من الصواريخ الذكية العنقودية الأميركية تتجاوز قيمتها المليون دولار، وقد رميت الآلاف منها على لبنان، فيا ترى من دفع قيمتها أميركا أم إسرائيل؟ وقد ترد علينا السيدة «رايس» بابتسامتها المعهودة (نعم نعم أميركا لأن دولار الدمار أرخص من دولار البناء) وتقفل الجلسة.
كاتب إماراتي
ui@eim.ae