يوري جروسمان، شاب في مقتبل العمر، ابن أحد أشهر كتاب «إسرائيل»: دافيد جروسمان، الكاتب الإسرائيلي الشهير الذي يحسب على معسكر المناصرين للسلام في فلسطين والمنطقة... يوري هذا الشاب الذي كان ينتظر الاحتفال بعيد ميلاده، شيعه والده قبل أيام إلى مثواه الأخير في ركن المقابر العسكرية في جبل هيرزل في القدس المحتلة. لم تمهله الحرب لتحقيق هذا الحلم الصغير.
لقد أرسل ضمن مجموعة من الجنود الإسرائيليين إلى لبنان لاستكمال مهمة الهدم والتدمير وقتل الأطفال التي لم تكتمل هناك بعد. وكان أخوه جوناتان (24 عاما) الذي عاد توا من تلك المهمة قد نصحه باختيار العمل ضمن فرقة دبابات الميركافا لتكون حصنه الحصين ضد ضربات مقاومي حزب الله التي لا ترحم. غير أن الميركافا الحصن الذي لا يقهر تحولت بضربة من صاروخ حزب الله إلى كتلة من الحديد المنصهر وانطفأ يوري جروسمان ليلة الـ 13 من أغسطس وذلك قبل أن يطفئ شمعته الواحدة والعشرين قبل يومين فقط من قرار وقف إطلاق النار.
انتهت أخيرا تلك الحرب الشرسة بين عدوين لدودين قرر كل واحد منهما النيل من صاحبه. وعندما اشتعلت شرارتها الأولى، توقع كثير من المحللين السياسيين والعسكريين اعتمادا على معلوماتهم المحدودة عن كمية ونوعية السلاح الذي تمتلكه إسرائيل انتصار القوة العسكرية الإسرائيلية التي تعتبر خامس أكبر قوة عسكرية في العالم. إلا أن هؤلاء المحللين لم يدرسوا جيدا التركيبة النفسية لكلا المتحاربين، والتي كثيرا ما تعتبر الحاسم الأول في المعارك.
فالإسرائيليون ذهبوا وهم مرتعبون من كمائن حزب الله بينما ذهب محاربو حزب الله وهم يحملون شارات الاستشهاد على صدورهم في سبيل الله ودفاعا عن الأرض. كما غاب عنهم أيضا التكتيك الذي يعتمد عليه كل فريق: فهؤلاء يعتمدون على الخطط العسكرية المنظمة، بينما الآخرون كانوا يحاربون على شكل فرق موت متحركة تخرج من تحت الأرض. لكن الحرب توقفت أخيرا وتنفس العالم الصعداء بعد 33 يوما من الترقب والخوف.
وصعقت إسرائيل شعبا وساسة وعسكريين.. وصعق معهم أيضا ساسة البيت الأبيض. فهي أول هزيمة نكراء تلحق بهم منذ قيام دولتهم في 1948. وصواريخ المقاومة اللبنانية لم تحرق فقط دبابات الميركافا الخرافية، بل أحرقت مدنهم وموانئهم الرئيسية ومواقعهم العسكرية وبوارجهم البحرية في العمق، وكانت تل أبيب على بعد (أيام) فقط من أن تقصف هي أيضا ضمن من قصف. وانسحبت إسرائيل وهي مطأطئة الرأس للمرة العشرين من لبنان تاركة خلفها ذكريات مرة لن تنسى على مدى تاريخ هذه الدولة الحديثة ورغبة في الانتقام ولو بشكل آخر.
قلنا ان الحرب توقفت، ولم نقل انتهت. فالحروب العسكرية تتوقف على أرض المعارك، إلا أنها تبدأ بعد ذلك على أرض الواقع. وهي حرب أعظم وأخطر وأكثر دمارا. فإسرائيل (إذا كانت ترغب فعلا في أن تشيع بين الناس بأنها دولة ديمقراطية على نموذج الدول المتحضرة) عليها أن تسوي حساباتها أولا مع قادة حربها، وأن تنصب المحاكم العسكرية لمحاسبة القادة الذين قرروا دخولها بين ليلة وضحاها ثم لم يعرفوا كيف يخرجون منها.
ويبدو أن الديمقراطية الإسرائيلية ليست إلا اسكيتش سيئ الشكل للديمقراطية الأميركية. وأن الهزيمة يتم إيهام شعوبها بأنها كانت انتصارا. وليس أضحك من ذلك ما قاله أولمرت في خطابه بعد وقف العمليات: بأن الانسحاب كان انتصارا دبلوماسيا لإسرائيل وكذلك ما صرح به شيمون بيريز عندما أعلن بأنه ربما لن تكون هناك فكرة لتغييرات في الحكم في إسرائيل ولن تكون هناك محاسبات، وكأن شيئا لم يكن.
تماما كما لم يعترف ساسة وعسكريو البيت الأبيض حتى الآن بهزيمتهم في العراق منذ دخولها. (مع تشابه الحربين لكونهما خطط لهما مسبقا في دهاليز البيت الأبيض). غير أن الأثر النفسي على إسرائيل لن يكون قصيرا. فإسرائيل قد ضربت في العمق.
وصحت على واقعها الذي كانت تحاول الهروب منه، بأنها دولة مهما عظمت قوتها العسكرية لن تستطيع كسب حربها ضد حقوق الآخرين حتى ولو كان أصحاب الحق لا يمثلون إلا حزبا صغيرا من حيث العدد والعدة لا يتعدى حجمه حجم حزب الله في جنوب لبنان! وأصبح الشارع الإسرائيلي يتساءل اليوم عن موقعه الجغرافي والذي يحيط به العالم العربي والإسلامي من كل صوب وعما ترى يمكن أن يحدث له لو أن الحرب اندلعت فجأة في يوم من الأيام على عدة جبهات عربية وإسلامية؟ فأي نهاية تنتظرهم؟
أما لبنان فهو أمر آخر تماما والموقف التالي للحرب فيها وعليها أخطر بكثير مما هو عليه في إسرائيل. ففي إسرائيل يوجد انقسام ولكنه لا يتحول إلى صراع وسرعان ما يتم تسوية الأمور بين المنقسمين لمصلحة دولتهم وشعبهم ومستقبلهم. لذا، فالذين تابعوا تلك الحرب عن قرب ووقفوا مع الشعب اللبناني الذي مثلته المقاومة التي هزت إسرائيل وكيانها، انصدموا أن تبدأ المعارك السياسية والاتهامات في لبنان تأخذ شكلا طائفيا قبل أن تجف أرض وطنهم من دماء شهداءهم، وأن تمسي المقاومة التي كررت انتصاراتها على أبشع عدو على حدود لبنان موضع تساؤل.
وبدأت التصريحات تتساقط يمينا وشمالا والاجتماعات الصحافية تتوالى من هنا وهناك ولم يمض بعد أسبوع واحد على توقف القتال. بينما كنا نتوقع هذه المرة بالذات أن يلتف الشعب اللبناني بجميع طوائفه حول هذا الانتصار وتعزيز المقاومة خاصة وأن السيد حسن نصرالله لم ينسب الانتصار لنفسه أو لحزبه بل لجميع اللبنانيين. فلبنان معرض أكثر من أي وقت مضى لمثل تلك الغزوات الإسرائيلية.
فالحرب الأخيرة التي خططت لها إسرائيل على الجنوب لم تكن فقط لإنقاذ الجنديين الأسيرين لأنها تعلم بأنها لن تخرجهما من لبنان بهذا الأسلوب، وليس فقط لتنفيذ الخطوة الثانية من فكرة الشرق الأوسط الكبير بعد أن فشلت الأولى في العراق، لأنه سيعني وصول الإسلاميين للسلطة، ولكنه نوع من الانتقام المبيت لهزيمتها في عام 2000 في جنوب لبنان وانتصار المقاومة الإسلامية هناك.
وحيث أنها انهزمت هذه المرة أيضا وفي نفس الموقع وأهينت كرامتها على المستوى العالمي، فهذا يؤكد أكثر من أي وقت مضى أنها سوف تعاود الانتقام ولو بعد حين. والمرة التالية لا أحد يضمن نجاح المقاومة اللبنانية فيما لو بدأت بعض الأطراف سواء بحسن أو بسوء نية محاولة نزع سلاحها الذي لا يساوي شيئا أمام أسلحة الدمار الإسرائيلية. وأن من يسوغ لمثل هذه الفكرة هو الذي سيدفع الثمن مستقبلا.
فالكل يعرف أن السلام مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية يعني الاستسلام. والاستسلام يعني لهاتين الدولتين الحكم على المستسلم بالإعدام حتى ولو كان من أقرب المقربين إليهما. فالولايات المتحدة الأميركية تخلت عن كثير من الأطراف العراقية التي ساعدتها على شن الحرب عن العراق ووضعتها في قائمة المطلوبين بعد أن حققوا لها ما أرادت أو عندما شكلت لها عقبة في طريق مصالحها (وهذا مصير كافة العملاء الذين عملوا لأهداف المخابرات الأميركية والذين تم التخلص منهم بعد ذلك بطرق غامضة)
وإسرائيل كذلك تخلصت من العديد من الفلسطينيين قتلا واغتيالا وسجنا وعلى رأسهم ياسر عرفات نفسه الذي قرر أن يختار طريق السلام والتنازل عن أكثر من 80% من مطالب وحقوق الشعب الفلسطيني ومن قرارات الأمم المتحدة والذي رضي حتى ببضعة كيلومترات من الضفة الغربية وقطاع غزة وتسليم المطلوبين من الشعب الفلسطيني إلى جهاز مخابرات إسرائيل.
كذلك تخلصت إسرائيل من بعض الأطراف اللبنانية التي عملت أساسا كعميل وحارس لحدودها كجيش لبنان الجنوبي وعلى رأسه سعد حداد وانطوان لحد، هذا الجيش الذي دعمته بالمال والسلاح وحتى الزي والأوامر العسكرية إلى أن حان وقت انتهاء مدة صلاحية خدمته بالنسبة لإسرائيل فتركته وحيدا أمام مصيره دون حتى أن تخطره برحيلها المفاجئ من لبنان عام 2000.
إن الذين يطالبون حزب الله اليوم بالتخلي عن سلاحه (وهو ما لم ولن تطالب به إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأميركية لأنه سيخدم مخططاتها بعد قليل) هم الذين سيدفعون ثمن ذلك في المرة القادمة. وهذا ما تعرفه إسرائيل جيدا. وهي ما خططت له منذ أول يوم تخرج فيه من جنوب لبنان قبل بضعة أيام: إشعال نار الفتنة الطائفية من جديد في لبنان من خلال الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله.
فهي الحرب الوحيدة التي يمكن أن تنتصر فيها على المقاومة. وحيث أن إسرائيل كما قلنا قبل قليل ليس إلا إسكتش مصغرا لسياسات الولايات المتحدة الأميركية في أي مكان من العالم، فهذا يعني أن لبنان شئنا أم أبينا سوف يتحول إلى عراق ثان على شكل مصغر هو أيضا. وسوف تتحول المطالبات إلى مناقشات حادة وهذه إلى خلافات والخلافات سوف تتطور إلى نزاعات والنزاعات إلى مصادمات وهذه الأخيرة سوف تجرهم إلى حرب أهلية جديدة سوف تأكل الأخضر واليابس. ولن يكلف إسرائيل سوى بضعة شيكلات لبعض العملاء ولشراء بعض الزيت الذي سوف يصب على الشرارة الأولى.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com