الدروس المستفادة من العدوان الإسرائيلي الهمجي الأخير على لبنان كثيرة ومتنوعة، ولو درسناها وحللناها كعرب واستفدنا منها، فالمؤكد أننا نستطيع الخروج من كبوتنا الراهنة. كثيرون كتبوا وسيكتبون عن بسالة المقاومة وتحقيقها انتصاراً استراتيجياً على العدو ..
كثيرون أيضاً كتبوا وسيكتبون عن أن أحد نتائج هذا الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية هو أنه يمكن هزيمة إسرائيل، بل وافشال المخطط الأميركي الغربي للهيمنة على المنطقة، وأن التجبر الأميركي علينا ليس قدراً محتوماً لا يمكن الفكاك منه.
كل ذلك صحيح مئة في المئة ... لكنني هنا سأختار درساً مستفاداً أراه الأهم في نتائج هذا الانتصار العسكري والسياسي للمقاومة اللبنانية البطلة، هذا الدرس باختصار هو أن الرهان الأميركي الإسرائيلي على تفجير فتنة طائفية في المنطقة خصوصاً بين السنة والشيعة يمكن هزيمته أيضا،
وتفصيل ذلك هو أن المنطقة العربية خصوصاً في العراق ولبنان كانت شهدت تأجيجاً وشحناً واحتقاناً طائفياً غير مسبوق في السنوات الأخيرة .. ووصل الأمر كما سمعنا وشاهدنا إلى حد القتل على الهوية في العراق، وحديث متزايد عن دولة شيعية تكون ذيلاً لإيران في جنوب العراق، ودولة سنية في الغرب وأخرى كردية في الشمال،
بل وتمادى الحلم الأميركي بعيداً في التصور الطائفي المستقبلي للمنطقة إلى حد رسم خريطة طائفية جديدة تعيد رسم المنطقة طبقاً للانتشار الطائفي والعرقي والمذهبي، بحيث تبدو إسرائيل هي الدولة الوحيدة القوية والمتماسكة في المنطقة وسط كيانات وكانتونات وجيوب هزيلة تكون كل مهمتها محاربة جيرانها خدمة للمركز الفرعي في تل أبيب والمركز الرئيسي في واشنطن.
قبل العدوان أيضاً وفي لبنان كان كل الحديث يتمحور حول انقسام شيعي من جهة وسني ومسيحي ودرزي من جهة أخرى تبلور عقب اغتيال رفيق الحريري، وكان الرهان الأميركي الإسرائيلي متفائلاً تماماً بأن الحرب الأهلية المذهبية آتية لاريب فيها إذا رفض حزب الله نزع سلاحه، التفاؤل الأميركي لم يكن سطحياً بل اعتمد على دعم حكومات إقليمية كبرى في المنطقة.
الذي حدث خلال العدوان أربك كل هذا المخطط .. المقاومة «الشيعية» صمدت وكبدت العدو ثمناً باهظاً رغم كل الدمار الذي حل بالبنى التحتية اللبنانية، لكن المفاجأة الحقيقية هي أن كل الجماهير العربية وغالبيتها «سنية»
خرجت في الشوارع والمدن والقرى والنجوع العربية تهتف لحزب الله «الشيعي» وزعيمه حسن نصرالله الذي تحول خلال العدوان وبعده إلى رمز عربي ترفع صوره في الأزهر في قلب القاهرة، وفي المغرب العربي وفي السودان والعراق مروراً بسوريا ومدن خليجية عدة.
إذن الدرس الرئيسي هنا أن الجماهير العربية ورغم عجزها المزمن عن قيادة التغيير بسبب عجز الأحزاب والنقابات عن بلورة هذه الجماهير في أطر منظمة تناست كل الأحاديث المصطنعة عن الفرز الطائفي، ولم تفكر للحظة واحدة في الهوية الطائفية والمذهبية لحزب الله، بل فكرت فقط في أنه حزب مقاوم يتصدى لإسرائيل والمنطقة.
هذا الدرس ليس بسيطاً بل كبيرا جداً، ومبشرا جداً بأن كل الرهانات المعلبة التي تصاغ في أروقة ودهاليز تل أبيب وأميركا هي قبض الريح إذا راهنت قوى التغيير الحية في الوطن العربي على المواطنين البسطاء الذين يندر أن تخطئ بوصلتهم.
بالطبع ليس الأمر سهلاً .. فهناك احتقان طائفي في المنطقة بالفعل والخلافات المذهبية ليست وليدة اليوم .. بل عمرها يزيد على 1400 عام، وهناك قوى محلية عديدة تزيد من تأجيجه وصب الزيت عليه كل لحظة خصوصاً في العراق ولبنان،
لكن القانون الطبيعي الذي أعاد حزب الله اكتشافه عبر مقاومته الأخيرة، هو باختصار ان المواطنين العرب البسطاء يتناسون كل خلافاتهم المذهبية والطائفية والمناطقية إذا دخلوا في معركة حقيقية ضد إسرائيل ومن وراءها لأنهم يدركون أنها هي العدو الرئيسي لهم.
العكس صحيح تماماً ففي أوقات الضعف والرخاوة والعمالة التي تسود المنطقة، وعندما تضل بوصلة الجميع، تزداد العداوة والبغضاء بين الشعوب العربية ونرى الغرائز تنفلت وترتد إلى عصور سحيقة، بل ويتقاتل الأخ مع أخيه.
هل هذا الدرس يصح تطبيقه على العراق؟ بالطبع نعم. وإذا جلس الفرقاء العراقيون معا بقلب مفتوح لأدركوا أن عدوهم واحد، وهو الاحتلال، وأي دولة حتى لو كانت مجاورة وترفع شعارات براقة، ومن باب أولى يصح الدرس على لبنان نفسه، فآلة الحرب الإسرائيلية لم تفرق بين قوى 14 مارس وغيرها، بل دكت كل لبنان على رأس أصحابه.
إذن .. الحل الوحيد لمواجهة الفتنة والطائفية وكل أشكال القهر هو مواجهة العدو الرئيسي أولاً وكل من يساعده.
emadiraqi@yahoo.com