لم تكن الحروب يوماً بدون نتائج نوعية وعميقة في حياة الشعوب، فهي تحدث عادة تحولاً كبيراً وأحياناً جذرياً في مسار تطورها، ونجد هذا في التاريخ القديم والمعاصر، ولم يكن التشابه في نتائج الحروب والتغيرات التي تحدثها مجرد مصادفة وإنما خلاصة شبه حتمية لظروف موضوعية، مع التنويه بأن التغيرات التي تحصل لا تكون دائماً تلقائية
ولا سريعة المردود، ويخطئ من يعتقد أن نتائج الحروب هي مجرد انتصارات أو خسائر تمر بدون تأثير في عمق التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي للشعوب والبلدان، وفي استراتيجياتها ومستقبلها القريب والبعيد، وإن كانت النتائج جزئية في النطاق المرئي فلا شك أنها عميقة وشاملة على المدى البعيد.
أدت هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى إلى ولادة النازية (بالانتخابات الديمقراطية) وتحويل الدولة الألمانية إلى دولة قومية متعصبة عنصرية فاشية ما لبثت أن أشعلت حرباً عالمية بعد استكمال تسلحها، كما أدت هزيمتها في الحرب العالمية الثانية إلى تحويل هذه الدولة إلى دولة ديمقراطية ليبرالية معادية لتاريخها السابق، وإلى قلب موقفها الاستراتيجي السياسي والثقافي والروحي رأساً على عقب.
وقادت هزيمة روسيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها من قبل الجيوش الألمانية والجيوش المتحالفة معها إلى قيام الثورة البلشفية وتغيير استراتيجية روسيا وأيديولوجيتها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية ودورها العالمي تغييراً جذرياً، وتحولت إلى روسيا جديدة تختلف كلياً عما كانت عليه قبلها.
وغيرت هزيمة الصين أمام اليابان في النصف الأول من القرن الماضي إلى تغيير جذري أولاً في العلاقات بين القوى الصينية الداخلية (حيث تحالف العدوان اللدودان شان كاي شيك وماو تسي تونغ) وكان كل منهما يعتبر الآخر أخطر من المستعمر الياباني،
وبعد الحرب بسنوات انتصرت الثورة الشيوعية الصينية ووضعت الصين على مسار جديد مختلف بالعمق والشمول عما كانت عليه، وقلبت مفاهيم الدولة الصينية ونظامها السياسي وعلاقات فئاتها الاجتماعية ودورها الإقليمي والدولي.
وفي بلادنا تغيرت بعد حرب 1948 العربية الصهيونية وبسببها أنظمة عربية عديدة (في مصر وسوريا خاصة) وحدث ما يشبه الزلزال وأخذت الانقلابات العسكرية العربية تتوالى سواء في مصر أم في سوريا أم في غيرهما من البلدان العربية،
ولم تكن نتيجة الحرب اعتراف بالهزيمة فقط بل تغيير ماهية الأنظمة ومضامينها وأهدافها. وبعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 تغيرت أهداف الثورة واستراتيجيتها وحسمت ترددها تجاه معالجة قضايا الداخل وعلاقاتها بالمحيط العربي والدولي وولدت في الواقع ثورة مصرية جديدة،وكان العدوان والحرب سببين في تلك التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر بعد ذلك التاريخ.
وقد حدث مثل هذا التحول بعد عدوان يونيو ولكن بخطوات إلى الوراء، فبدأت الفجوة تزداد منذ حينها بين الشعوب العربية وحكامها، إلا أن طبيعة العدوان وقصر مدة الحرب (ستة أيام) وعدم إتاحة الفرصة للناس بالمشاركة، وإسراع الأنظمة السياسية العربية لاستيعاب الصدمة وتوجيهها إلى المفاوضات والقرارات، ووجود توازنات دولية ذات تأثير في تطور المنطقة بما لم تكن عليه يوماً،
وانتظار مجلس الأمن ومنظمات الأمم المتحدة كي تعيد ما احتل من الأراضي العربية، وعدم العودة للناس وإشراكهم في تقرير مصيرهم، إضافة إلى قصور وعي الناس عن فهم طبيعة ماكان يجري، كل ذلك أدى إلى مزيد من التراجع وانتظار الحلول من الخارج ولكن الأمر لم يكن بمثل هذه البساطة،
فقد نمت التيارات الأصولية ومالبث بعضها أن تحول إلى منظمات إرهابية عمياء تخلط الرئيسي بالثانوي والواقع بالمشاعر، ولا تدرك المفاتيح اللازمة لفهم جوهر الصراع وامتلاك مقدراته، وبالإجمال لم تكن طبيعة الحروب العربية الإسرائيلية السابقة جديرة بخلق ظروف جديدة تؤدي لتطورات عميقة في المجتمعات العربية.
يبدو أننا الآن أمام نتائج مختلفة بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى الجانبين الإسرائيلي والعربي:
فعلى الجانب الإسرائيلي يجمع الإسرائيليون قبل غيرهم أن سمعة جيشهم لم تعد أسطورية وأنه جيش قابل للهزيمة (رغم سلاحه المتطور والفعال)، ولم يعد قادراً على تحقيق النصر أينما كان ومتى كان وفي الوقت الذي يريد، فقد عجز عن تنفيذ معظم الأهداف التي بدأ عدوانه لتحقيقها،
وحسب أقوال الصحف الإسرائيلية بدأت التصدعات داخل هذا الجيش والصراعات بين جنرالاته وبينه وبين الحكومة وبين أعضاء الحكومة أنفسهم، كما تباينت آراء المجتمع الإسرائيلي والأحزاب السياسية حول قدرات الجيش مع طرح التساؤلات حول صحة استمرار الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التقليدية بعد أن أثبتت المقاومة اللبنانية فشلها
كما لم يقنع كثيرون بصحة قرارات الحكومة السياسية والعسكرية وارتفعت المطالبة بلجنة تحقيق تبين النواقص وتستخلص العبر ليس فقط تجاه قرار العدوان ومجريات الحرب وإنما أيضاً تجاه سياسة الصلف والجشع في احتلال الأرض والاستخفاف بالآخرين سواء في لبنان أم في فلسطين أم في الجولان التي بدأت الصحف الإسرائيلية تتحدث عنها
وتؤكد أن السياسات المتتالية للحكومات الإسرائيلية تجاه الأراضي المحتلة ستجلب لإسرائيل المصائب، وتؤكد أن الاعتقاد باستمرار هدوء جبهة الجولان إلى ما لانهاية هو قصر نظر ومغامرة، وأن الرغبة في قضم الأراضي العربية عامة ليست سياسة صائبة.
وعلى الجانب العربي يدرك المراقب بدون عناء زيادة الفجوة بين معظم الأنظمة العربية وشعوبها بعد تباين المواقف تجاه العدوان واقتناع الشعوب عكس معظم حكامها أن العدوان الإسرائيلي ليس قدراً لايرد وإنما الذي أوصل العرب لهذا هو الفرقة العربية وغياب النظام العربي والتخاذل وتحييد الناس عن قضاياها واهتمام الأنظمة السياسية بمصالحها أولاً، وهذه كلها أوصلت الأمة إلى ما وصلت إليه،
ثم أدرك الناس بعد العدوان على لبنان وصمود المقاومة أن المواجهة العسكرية للعدو لها أشكال وأساليب متعددة ولا تقتصر على أسلوب واحد هو الحرب التقليدية، وأن الخسائر لابد أن ترافق الحروب وما من حرب دون خسائر، وأن كرامة الأمة ودفاعها عن هذه الكرامة هي أولوية الأولويات، وفي الخلاصة اهتز المستنقع العربي الراكد وتحرك ولا يمكن عودته إلى ما كان عليه ولابد أن للحرب تداعياتها.
كاتب سوري