الحرب العربية الإسرائيلية السادسة التي وضعت أوزارها بعد أربعة وثلاثين يوماً، صباح الاثنين الماضي الرابع عشر من الشهر الجاري، أحدثت تحويلة كبرى في جملة من العناوين والاستراتيجيات التي تتصل بمستقبل هذه المنطقة، سواء في حدودها العربية أو الشرق أوسطية.
القوى والدول كلها التي خاضت الحرب مباشرةً، أو بطرق غير مباشرة، وتكاد تشمل كل دول الشرق الأوسط، والدول الفاعلة على المستوى الدولي، كلها راهنت على أن الحرب ستؤدي إلى تغييرات أساسية، ومعظمها من موقع المراهنة على أن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة ستكسب هذه الحرب التي ستشكل مفصلاً جذرياً نحو بناء شرق أوسط جديد وفقاً لإعلانات متكررة من قبل وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
على خلفية هذه المراهنات لاحظنا الاصطفاف الدولي والإقليمي، بما في ذلك الكثير من العرب الرسميين، وضد المقاومة اللبنانية بحيث بدت هذه المقاومة معزولة على مستوى السياسات الرسمية، إلى أن انقضى على المعارك الطاحنة ثلاثة أسابيع،
تراجعت خلالها آمال المراهنين على انتصار إسرائيلي لم يتحقق رغم طول المهلة، وعندها لاحظنا تغييراً في مواقف الكثير من الدول وأساساً العربية، نحو تدارك المواقف والمراهنات التي ظهرت خلال الأيام الأولى للحرب.
نتائج الحرب السادسة التي انتهت فصولها الأولى الدامية، بانتصار واضح لحزب الله والمقاومة اللبنانية والعربية عموماً، أذهلت الجميع وفاجأتهم، إذ خضع العرب الرسميون والكثير من الدول لمنطق الهزيمة ومقولة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر،
هذا فضلاً عن قناعات تعكس سياسات فعلية مبنية على قاعدة التسليم بأن الولايات المتحدة هي قدر من غير الممكن رده، وأن السبيل الوحيد لتحقيق السلامة هو فقط عبر الاندراج في السياسات الأميركية والتنافس على كيفية الحصول على رضاها.
الحرب إذن لم تكن لبنانيةـ إسرائيلية خالصة، بل إنها حرب شاملة، اشتركت فيها دول كثيرة، وتقاطعت عندها مصالح وسياسات كثيرة، وانبنت على نتائجها رهانات كثيرة بشأن مستقبل المنطقة، وأدوار الدول، والاستراتيجيات الدولية والإقليمية.
وإذا كانت إسرائيل نجحت في الأيام الأولى لعدوانها الوحشي والمدمر على لبنان، في تسويق فكرة أن حزب الله يتحمل المسؤولية عن الحرب بسبب عمليته العسكرية الناجحة (الوعد الصادق) التي نفذها عدد من مقاتليه يوم الأربعاء 12/7/2006، وأدت إلى أسر جنديين إسرائيليين، فإن وقائع هذه الحرب تبين وتؤكد أن تلك العملية لم تكن سوى الذريعة.
إذا أردنا أن نتجنب ونتجاهل استنتاجات السياسيين والمحللين بشأن أسباب وأبعاد الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، فهذه مجلة نيويوركر الأميركية في عددها الصادر الأسبوع الماضي، تسجل اعترافاً صريحاً يتحدث عن أن الحكومة الأميركية متورطة في الخطة الإسرائيلية ضد حزب الله حتى قبل أسر الجنديين الإسرائيليين، وتضيف المجلة أن مسؤولين إسرائيليين توجهوا إلى واشنطن للحصول على الضوء الأخضر قبل أسر الجنديين.
في اليوم الذي توقفت فيه الحرب، الاثنين الماضي، بناءً لقرار اعتبره حزب الله مجحفاً، واعتبره مجلس التعاون الخليجي غير متوازن، ألقى ثلاثة زعماء خطابات بمناسبة توقف الحرب، وباعتبارهم المشاركين المباشرين في الحرب فيما يعكس تقليداً عاماً في مثل هكذا أحداث ضخمة.
لم يجرؤ رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت على أن يعلن أمام الكنيست بأن جيشه حقق انتصاراً ساحقاً ومحسوماً ضد المقاومة اللبنانية، واكتفى بالقول إن قرار مجلس الأمن رقم 1701 حقق مكاسب سياسية لإسرائيل وينطوي على انعكاسات وإسقاطات إيجابية هامة على دول العالم الحر التي تكافح ضد ما أسماه بالإرهاب.
الرئيس الأميركي جورج بوش، لم يعلن عن انتصار إسرائيلي لا لبس فيه، وإنما ركز على أن حزب الله تلقى هزيمة، ثم عاود التأكيد على استمرار بلاده في الحرب على ما درج على تسميته بالإرهاب. أما سيد المقاومة والميدان حسن نصر الله،
فقد أبلغ الملأ الانتصار الاستراتيجي والتاريخي الذي حققته المقاومة وحققه لبنان والأمة كلها، وقد جاءت كلماته هادئة، موضوعية ودقيقة في التوصيف، بما يؤكد خط المصداقية الذي درج عليه زعيم المقاومة اللبنانية والعربية منذ سنوات طويلة.
الرئيسان السوري بشار الأسد والإيراني أحمدي نجاد، اللذان درجت الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى موالية، على اتهام بلديهما بدعم المقاومة وبالمسؤولية عن تسليح وتشجيع حزب الله، ألقى كل منهما خطاب النصر، بعد أيام من توقف القتال،
وكل منهما عكس في خطابه طبيعة نتائج الحرب وطبيعة المرحلة القادمة، ولذلك تميز الخطابان بنفس نقدي أقوى من السابق، ولغة لا تخلو من التحدي للسياسات الأميركية والإسرائيلية والقوى والسياسات المحلية الموالية لتحالف العدوان.
يمكن لكل طرف من الأطراف المشتركة في الحرب المباشرة أو من خلال موقع قريب جداً منها، أن يدعي تحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالطرف الآخر، فالنتائج لم تأت على الطريقة التقليدية، ولم تحسم بالضربة القاضية،
وإنما بالنقاط، غير أن سلوك الأطراف المعنية أثناء وبعد توقف القتال، وحساب ما تحقق لكل طرف من أهداف، كفيل بأن يضع حداً للادعاءات وأن يقدم طرف على الآخر في حساب الربح والخسارة.
في لبنان، يعيش اللبنانيون منذ الساعات الأولى لتوقف القتال على الساعة الثامنة من صباح الاثنين الماضي، أجواء انتصار عارم، ودعاء للمقاومة وزعيمها، وبعضهم على مستوى النخبة السياسية والثقافية أخذ يتحدث عن لبنان الدولة العظمى، والأكبر والأقوى في المنطقة، وصاحبة الدور الأكثر فاعلية وتأثيراً في مجريات وتطور المنطقة.
إن اللبنانيين الذين اندفعوا بكثافة إلى بيوتهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم التي نزحوا عنها، قد أعلنوا بصوت واحد استعدادهم لبناء بلدهم بأسرع وقت، واستعدادهم للتضحية من أجل المقاومة التي عززت استقلالهم وكرامتهم الوطنية ورفعت رؤوسهم عالياً.
وكما وعد حسن نصر الله مواطنيه وشعوب الأمة بالنصر وكان عند وعده، وعدهم بأن الحزب سينهض دون انتظار، بمهمة إزالة الركام والدمار، والشروع في إعادة البناء، وبصرف مبالغ للعائلات التي تضررت، لكي تقوى على العيش واستئجار مساكن وشراء أثاث إلى أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها.
كان من المفروض أن تعيش المنطقة العربية كلها مثل لبنان احتفالات وأجواء الانتصار والفرح، والتفاؤل بمستقبل أفضل، مستقبل يعد شعوب المنطقة بفرصة أفضل لامتلاك إرادتها المستقلة، وبقدرتها على التحدي،
وكان المفروض من وسائل الإعلام العربية، والفضائيات أساساً، أن تغير برامجها، وأن تجير بثها للاحتفال بنشوة الانتصار الاستراتيجي والتاريخي عن حق، اللهم إلا إذا كان البعض لا يصدق ما وقع، أو أن الشعور بالهزيمة لا يزال عميقاً بداخله.
في إسرائيل بالمقابل يختلف الوضع، فالكل هناك يعيش مرارة الهزيمة والكل هناك يبحث عن كبش فداء، أو كيس ملاكمة لإلقاء المسؤولية عليه. فبعد يوم واحد فقط من توقف القتال ظهر استطلاع للرأي يفيد أن 3% فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن إسرائيل حققت معظم أهدافها من الحرب على لبنان.
أما الصحافة الإسرائيلية فقد تابعت انتقادها للمستويين السياسي والعسكري، ما جعل يديعوت أحرونوت تقول إن (والد الفشل هو إيهود أولمرت وعليه أن يستقيل هو ووزير الدفاع عمير بيرتس ورئيس الأركان وجنرالات آخرين).
وإذا كان من الطبيعي أن تنبري المعارضة اليمينية واليسارية للهجوم على الحكومة وسياساتها وعلى قيادة الجيش، مستغلةً الفشل في تحقيق الأهداف، فهذا شاؤول موفاز وزير الحرب السابق ووزير المواصلات الحالي يقول بوضوح (علينا أن نعترف بأن إسرائيل هزمت في الحرب).
وفيما يحضر المراقب العام للدولة في إسرائيل نفسه لتشكيل لجنة تحقيق موسعة ورسمية لتحديد المسؤولية عن الفشل، الهزيمة، وهو أمر لا يقع إلا عندما تقع هزيمة، أو فشل، فإن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبيي ليفني تعلن (أن أي جيش في العالم لا يستطيع أن يجرد حزب الله من سلاحه).
وربما أرادت ليفني أن تشيد بقدرة الجيش الإسرائيلي لكنها أيضاً وبوضوح تعترف بفشل إسرائيل في تحقيق أبرز أهداف الحرب. حزب الله هناك في الجنوب وفي كل مكان في لبنان، تتعزز قوته وقدرته، وهو بكامل سلاحه
وسيظل يشكل تهديداً لأمن إسرائيل التي يبدو مما يصدر عنها من تصريحات وكأنها تستجدي الحماية من القوات الدولية «اليونيفل» وتتوسل انتشار الجيش اللبناني في الجنوب بأسرع وقت ممكن. إنها تهرب من لبنان ورأسها عند ذيلها.
كاتب فلسطيني