ربما يكون من حق روسيا أن تبدى قلقها وتخوفاتها الشديدة من الحرب في لبنان، وهذا ما عكسته تصريحات المسؤولين الروس منذ اندلاع الحرب وحتى الآن، ولدى موسكو الكثير الذي يبرر تخوفاتها، فالحرب في لبنان ليست مجرد حرب بين دولتين متجاورتين، وليست مجرد حملة عسكرية إسرائيلية من أجل استعادة جنديين أسيرين كما ادعت تل أبيب، كما أنها ليست كما يعتقد الكثيرون في الغرب حربا ضد الإرهاب،
ووصف واشنطن وتل أبيب لحزب الله بأنه منظمة إرهابية لم يلق حتى الآن قناعة من المجتمع الدولي، وليس أدل على ذلك من تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان التي أدلى بها بعد شهر تقريبا من اندلاع الحرب، والتي قال فيها أن «حزب الله منظمة سياسية واجتماعية لبنانية معترف بها رسميا من قبل النظام الرسمي والشعبي اللبناني
ولها ممثلوها في البرلمان اللبناني ولها نشاطاتها الاجتماعية والسياسية العلنية داخل المجتمع اللبناني»، وهذه هي أيضا وجهة النظر الرسمية لدى موسكو، والتي عبر عنها المسؤولون الروس في مختلف المواقف والمجالات،
بل أكثر من ذلك ذهب بعض رجال السياسة الروس إلى حد اعتبار قصف حزب الله لإسرائيل بالصواريخ ليس عملا عدوانيا بل هو دفاع مشروع عن النفس وعن الوطن أمام الهجمات الشرسة والغير إنسانية للجيش الإسرائيلي على المدن والقرى اللبنانية، والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الموتى والجرحى من الأطفال والنساء اللبنانيين، ودمرت معها العديد من الدعائم الأساسية للبنية التحتية للمجتمع المدني اللبناني.
موقف موسكو الداعم للحكومة اللبنانية ولنضال المقاومة والشعب اللبناني لا ينبع فقط من مجرد تعاطف روسيا مع قضايا الحق والعدل ورفضها للاعتداء على سيادة الدول وترويع الأبرياء من المدنيين، ولا ينبع إطلاقا مما يدعيه البعض من أن روسيا تسعى لكسب حلفاء لها في منطقة الشرق الأوسط من أجل استعادة وجودها
وفاعليتها في هذه المنطقة الحساسة والحيوية في العالم، موقف روسيا من الحرب العدوانية على لبنان ينبع في الأساس من شكوك وتخوفات شديدة لدى موسكو من الأهداف الحقيقية والمخططات الخفية وراء هذه الحرب، هذه التخوفات والشكوك التي عبر عنها النظام الرسمي الروسي على لسان الرئيس فلاديمير بوتين في اليوم الخامس من هذه الحرب عندما قال صراحة أن لديه معلومات خاصة تفيد أن أهداف هذه الحرب أوسع بكثير من لبنان ومن ضرب المقاومة اللبنانية،
هذا التصريح من رئيس دولة كبيرة مثل روسيا لديها مصادرها القوية للمعلومات ولديها وسائلها الاستخباراتية التي يعرف مدى كفاءتها العالم كله يعني بالفعل أن هناك أهدافا ومخططات خفية وراء هذه الحرب تخرج عن نطاق دولة لبنان وحدوده الجغرافية لتشمل ربما دولا وشعوبا أخرى في المنطقة، الأمر الذي يهدد الأمن والسلام العالمي ككل، وهو ما يبرر تخوفات موسكو وقلقها الشديد.
لقد رفضت موسكو وبشدة نشر قوات دولية في الأراضي اللبنانية لا يوافق عليها النظام الرسمي في لبنان، وقالت أنها لن تشارك في هذه القوات ولن توافق عليها إذا طرحت في مجلس الأمن، إن موسكو تعلم جيدا كما يعلم غيرها الكثيرون لعبة القوات الدولية التي يتم تشكيلها بإيعاز من قوى كبرى، ولدينا خير مثال على ذلك ما يحدث في العراق وأفغانستان تحت ستار القوات الدولية الأجنبية،
وكيف يمكن لروسيا أن توافق على قوات دولية تشارك فيها منظمة عسكرية مثل حلف الناتو تخضع في الأساس للهيمنة الأميركية، وهل ستخضع قوات الناتو لأي قيادة من خارج الحلف، بالطبع لا، وبالتالي فإن الدعم الأميركي الخارجي لإسرائيل سيتحول إلى دعم داخلي بالقوات والعتاد والعدة، الأمر الذي سيزيد من تفجير الأوضاع في الداخل، والساحة اللبنانية أصغر من أن تتحمل قوات الناتو،
وهو ما يعني أن هذه القوات ستقوم بتوسيع عملياتها خارج الحدود اللبنانية بعد أن تقضي على الأخضر واليابس داخل لبنان، وبعد أن يتم تهجير معظم الشعب اللبناني للخارج ليصبح لبنان ساحة خراب ترتع فيها قوات الناتو وحلفاؤه كيفما يشاءون، وحينئذ سيقومون بتوسيع العمليات العسكرية خارج الحدود اللبنانية ضد دول يتهمونها بدعم الإرهاب والمقاومة اللبنانية، وهذا هو أحد المخططات التي ربما يكون لدى موسكو معلومات حول وجودها مسبقا.
وربما كما يعتقد البعض أن روسيا تخشى شيئا آخر وهو أن تحاول دول إقليمية الاستفادة من تصعيد الأوضاع في لبنان لإبعاد الاهتمام عنها و عن أزماتها التي يناقشها المجتمع الدولي، والمقصود هنا إيران التي شغلت قضية برنامجها النووي وتداعياتها المجتمع الدولي طيلة العامين الماضيين ومازالت، وربما تقترب من لحظة الحسم التي يتوقع معها أن تواجه إيران عقوبات دولية،
وبالتالي كما يرى البعض فهي التي أثارت حليفها حزب الله ليختطف الجنديين الإسرائيليين ودعمته بالسلاح ليخوض هذه الحرب مع إسرائيل بهدف شغل الاهتمام العالمي وإبعاده عن قضية النووي الإيراني، ولكن مثل هذا السيناريو ربما يكون مستبعداً لأن الواقع يقول أن إسرائيل أقوى من المقاومة اللبنانية بكثير، وإقحام حزب الله في حرب مثل هذه يعني تعرضه لهزيمة قد لا تبقي عليه،
كما أن إسرائيل نفسها اعترفت على لسان بعض المسؤولين فيها أنها خططت لهذه الحرب منذ فترة، أي قبل اختطاف الجنديين، الأمر الذي ينفي تدخل إيران أو غيرها لإشعال هذه الحرب، فالحرب أشعلتها إسرائيل وأيدتها ودعمتها واشنطن.
هناك أمر تخشاه موسكو من هذه الحرب، وربما لديها معلومات بوجود مخططات لتحقيقه، هذا الأمر هو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس حين قالت بأن هناك شرق أوسط جديد يتشكل الآن من وراء هذه الحرب،
وهذا أخشى ما تخشاه روسيا وغيرها، فقد سبق أن قيلت مثل هذه الأقاويل على لسان وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول عندما دخلت القوات الأجنبية العراق، وهو ما سبق أن قاله الرئيس بوش نفسه عندما رحب في العام الماضي بالثورات الملونة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وقال أنه يأمل قريبا أن يرى شرق أوسط جديدا يتمتع بالديمقراطية والحرية.
ترى كيف سيتشكل هذا الشرق الأوسط الجديد وهل سيشهد لبنان الحرية والديمقراطية التي يتمتع بها العراق الآن على حد زعم واشنطن، وهل ستصبح الحروب الأهلية والخراب والدمار وأكوام الجثث المتكدسة في الشوارع وعلى مياه الأنهار وتحت الأنقاض أهم وأبرز الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط الجديد.
جامعة سيبيريا