«كان بلداً مدمراً، وكان الناس يعانون الفقر والمجاعة ونقصاً في المواد الغذائية وشحا في الموارد الأولية. كانت حياتهم صعبة للغاية وكانت المظاهرات تملأ الشوارع باستمرار مطالبة بالتموين والغذاء إلى درجة أن بعض المتظاهرين هجموا على مطبخ الامبراطور! لقد كانت أزمة اجتماعية خطيرة جداً حيث أن قرابة عشرة ملايين شخص كانوا مهددين بالموت جوعاً».
بهذه الكلمات يصف «شيغيرو يوشيدا» حال بلاده بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وهو الذي حكم فترات متفاوتة بعد الحرب حتى مطلع عام 1955. لقد كان بلداً مدمراً بكل ما تحويه الكلمة من معانٍ لدرجة أن 500 جندي أقدموا على الانتحار لشدة وطأة الهزيمة.
ذلك البلد الذي غزت جيوشه عددا من الدول الآسيوية كالصين وكوريا وماليزيا وغيرها، وهو أيضاً البلد الذي تأصلت في نفوس سكانه الديانة الكونفوشية التي تزدري التجارة وتقدس التسلح والحرب، يجثو امبراطوره على ركبتيه ليعلن أنه ليس إلها بعد الآن ولو أنه كان إلها لما هزمت بلاده.
بعد الهزيمة فرضت الولايات المتحدة الأميركية وصايتها على اليابان حتى عام 1952 حين ارتأت أن تصنع منها حليفاً لها لمواجهة الكتلة الشيوعية في الشرق، ففتحت أسواقها للمنتجات اليابانية التي كانت رديئة الصنع في ذلك الوقت،
وزودت اليابان بأفضل أنواع التكنولوجيا المتطورة التي استفادت منها الحكومة اليابانية في إنشاء مصانع داخل اليابان ثم ما لبثت أن فتحت فروعاً لها في الدول الآسيوية المجاورة ذات الأيدي العاملة الرخيصة مما كثف الإنتاج الذي تطور مع الوقت بفضل إصرار اليابانيين وعزمهم على تعزيز الجودة في صناعاتهم لتتمكن من أخذ مكانها على رفوف الأسواق العالمية.
وساعد تأسيس وزارة التجارة العالمية والتصنيع التي تعتبر حجر الزاوية في النهضة اليابانية على تسريع وتيرة النمو الاقتصادي، حيث بدأت الوزارة بإبرام شراكات بين القطاعين الحكومي والخاص لمضاعفة إنتاج الصلب الذي استعانت على تخفيض أسعاره ورفع جودته بقدرتها الفائقة على استقطاب التكنولوجيا بأسعار زهيدة وبتحسين معايير التصنيع لتتوافق مع المعايير العالمية.
ثم أسست الوزارة «بنك التنمية الياباني» الذي كانت مهمته الأساسية إعطاء قروض طويلة الأجل للشركات والمصانع اليابانية بفوائد بنكية بسيطة. وفي عام 1960 تسلم «آيكيدا هاياتو» رئاسة وزراء اليابان ليكمل ما بدأه عندما كان وزيرا للتجارة العالمية والتصنيع في صياغة سياسات جديدة في مجال الصناعات الثقيلة،
فقام بإلغاء الاحتكارات التجارية وأطلق العنان للبنوك المحلية لمنح قروض بمبالغ خيالية للشركات اليابانية، وأسس تكتلات اقتصادية عرفت باسم «كياريتسو» وهي عبارة عن مجموعات من الشركات الوطنية الراغبة في الاقتراض يشرف على كل منها أحد البنوك الوطنية المقرضة،
ليمتلك البنك حصة من كل شركة ويقوم بدور المدقق المالي والإداري على أداء تلك الشركات، وكان الهدف من هذه السياسة هو حماية الشركات اليابانية الناشئة من خطر استحواذ شركات أجنبية عليها، والجدير بالذكر أن الحكومة وجهت 83% من الاستثمارات إلى الصناعات الاستراتيجية مثل بناء السفن، والكهرباء وإنتاج الصلب.
بالإضافة إلى ذلك عمل آيكيدا على تغيير ثقافة السوق اليابانية من فكر الاستثمار قصير الأجل إلى طويل الأجل حيث كانت الشركات الأعضاء في تكتل «كياريتسو» تعيد استثمار معظم أرباحها السنوية وتوزع نسبة قليلة جداً من تلك الأرباح على حملة الأسهم،
وبذلك استطاعت السوق اليابانية أن توسع مجالات استثماراتها من خلال النقد الذي توفر لها نتيجة لهذه السياسة، كما خصصت الحكومة دعماً مادياً إضافياً ومميزات عالية للشركات التي تصدر بضائعها إلى الأسواق العالمية.
ثم قامت حكومة آيكيدا بتوسيع الاستثمار في البنية التحتية والطرقات والقطارات والمترو، وقامت ببناء المطارات والموانئ القادرة على استيعاب الطاقة التصديرية التي استطاعت الأسواق اليابانية أن تنتجها في وقت قياسي جراء السياسات الحكومية الموجهة لتحسين الإدارة وبالتالي تحسين الإنتاج.
وفجأة ودون سابق إنذار قام آيكيدا بتحرير استيراد بعض السلع الأجنبية ورفع القيود التي كانت مفروضة عليها حتى وصلت نسبة السلع المحررة عام 1960 إلى 41% الأمر الذي أثار حفيظة الشركات اليابانية الخاصة التي اقترضت مبالغ ضخمة بضمان ألا تقوم الحكومة بفتح الأسواق،
ولكن سياسة آيكيدا كانت تقول بأن المؤسسات الوطنية إن لم تجد منافسة من الشركات العالمية فإنها ستفقد حماسها للتنافس والإبداع، شريطة أن تحصل الشركات الوطنية على مميزات ودعم حكومي يمكنها من الوقوف على أرض صلبة، ولقد أتت هذه السياسة أكلها عام 1963 حيث كان نمو الناتج القومي الإجمالي لليابان 9, 13% وهي نسبة عالية بمقاييس اليوم فكيف بذلك الوقت.
والجدير بالذكر أن الحكومة اليابانية لم تكن تعمل من فراغ، فقد أسست «وكالة التخطيط الاقتصادي» التي كانت تعنى بتوفير الإحصائيات والخطط الاقتصادية التي كان يعتمد عليها القطاعين الحكومي والخاص في اتخاذ قراراتهما الاستثمارية، واستطاعت هذه الوكالة من خلال خططها السديدة أن تنقل المجتمع الياباني من مرحلة إعادة الإعمار إلى مرحلة النمو الاقتصادي المتسارع الذي ما لبث أن وضع اليابان على قائمة أسرع اقتصاديات العالم نمواً.
إن الناظر إلى أحوال اليابان بعيد الحرب العالمية الثانية وأحوال العالم العربي اليوم يجد بوناً شاسعاً في الظروف والإمكانيات المادية، وإذا أجرينا مقارنة بسيطة نجد أن الحكومة اليابانية استطاعت أن تغير ثقافة المجتمع التي كانت سائدة آنذاك والتي كانت قائمة على العلاقة العسكرية ـ إن صح التعبير ـ بين الرئيس والمرؤوس،
وحولت الطاعة العمياء إلى حوار بين مخططي المشاريع ومنفذيها، وبفضل هذه الإصلاحات الإدارية تنتج اليابان اليوم أكثر من ثمانية ملايين سيارة سنوياً وهي بذلك تحتل المركز الأول في الترتيب العالمي تليها ألمانيا بخمسة ملايين!
إذن لم تكن اليابان بعد الهزيمة تمتلك مقومات إدارية ولا سياسية ولا عسكرية ولا مصادر طبيعية، ولم يكن التصنيع أو التجارة سمة من سمات الشعب الياباني يوماً، بل إن كونفيشيوس كما ذكرنا آنفاً كان يزدري التجارة والتجار، أضف إلى ذلك أن مساحة الأراضي الصالحة للسكن لا تتعدى 30% من إجمالي مساحة اليابان، ناهيك عن الزلازل والأعاصير التي تعصف بتلك الأراضي بين الفينة والأخرى،
فلماذا استطاعت دولة ألقيت عليها قنبلتين نوويتين أن تصبح في ثلاثين عاماً قصة يرويها العرب قبل النوم؟ ولماذا يصر المتنورون العرب على عدم محاولة إسقاط أبعاد هذه التجربة الفريدة على العالم العربي؟ وكيف استطاع بلد من محاربي الساموراي أن يزود دولاً عظمى بتقنيات متطورة لإدارة أسلحتها، وهو الذي لا يملك جيشا؟
عندما علم الامبراطور «ميجي» وهو صاحب حقبة الإصلاحات الأولى في اليابان بأن مجموعة من الشباب اليابانيين استطاعوا أن يصنعوا دراجة بخارية في ألمانيا أرسل في طلبهم، وعندما مثلوا بين يديه في القصر الامبراطوري طلب منهم تشغيل الدراجة التي أثارت ضجة في أروقة القصر وبثت الرعب في نفوس الحاضرين، فقال لهم :«إن صوت هذا الموتور في أذني أجمل من جميع سيمفونيات العالم».
باحث إماراتي
yasser.hareb@gmail.com