لم يسبق في تاريخ الكيان العبري أن سارع إلى الامتثال بمثل هذه السرعة التي استجاب بها لقرار مجلس الأمن رقم 1701 واحترام قرار وقف العمليات العدوانية، فالانسحاب من بعض القرى والمواقع المتقدمة ظهر بصورة الفرار كما حدث، ويوحي بأن الكيان الصهيوني كان يترقب القرار لإنقاذ جيشه من الفضيحة الكبرى.

وقد وجدت عدة وحدات عسكرية معزولة داخل جيوب محاطة بمقاتلي حزب الله وليس بوسعها الاحتفاظ بهذه المواقع أو الدفاع عن نفسها في حالة نشوب مشادات جديدة. هذه الوضعية العسكرية غير المريحة هي التي دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى تسريع عملية الانسحاب وعدم انتظار وصول قوات اليونيفيل والجيش اللبناني كما حصلت عليه في القرار 1701.

السيناريو الذي هيأته الولايات المتحدة من أجل حفظ ماء الوجه لإسرائيل كان يفترض بقاء القوات الإسرائيلية لفترة أطول والاحتفاظ بمواقعها، إلى حين وصول قوات اليونيفيل التي لم يبدأ بعد تشكيلها، وكان ذلك سيمنح وقتاً أكبر لتفعيل أزمة سياسية

وربما أمنية داخل لبنان عبر تحريك نشطاء من فريق 14 آذار لطرح مسألة نزع سلاح حزب الله والضغط على هذا الأخير من أجل إخلاء المنطقة جنوب نهر الليطاني، إلا ان تخوف اسرائيل من الهزيمة وعجزها عن تدمير آليات المقاومة اللبنانية جعلها تجهض مساعي واشنطن في خلق حرب أهلية في لبنان بعدما فشلت في تجسيد مشروع الشرق الأوسط الجديد.

إسرائيل التي اعترفت باستحالة تجريد حزب الله وهي الآن عاكفة على نزع فتيل الألغام السياسية التي بدأت تنفجر داخل جبهتها الداخلية، بما يعني أنها سوف تحرم حتى من استثمار الشريط الضيق من الأرض الذي دفعت من أجله حصيلة ثقيلة من الخسائر البشرية والمادية.

لذلك فإن النصر اللبناني يعني الفضيحة للجيش الإسرائيلي الذي تكبد أفدح الخسائر في تاريخه جراء عدوانه على لبنان، مثبتاً بذلك وجود خلل وخطأ استراتيجي في منظومة جيش العدوان، ولذلك أبعاد سلبية على الداخل الإسرائيلي الذي بدأ يحس بتهديد ملموس ومحسوس بوجوده في المنطقة، مما يجعل الضغط على الحكومة أكثر من الشعب المحبط من الأداء العسكري لمجموعة سذج تقلدوا زمام أمور أكبر من حجمهم.

ولعل التخبط الذي عرفه الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة قبل وقف إطلاق النار لخير دليل على ذلك، فعزل «اودي آدم» قائد المنطقة العسكرية الشمالية عن القتال، وتعيين «موشي كابلينسكي» نائب رئيس أركان الجيش قائداً عليه، فتح الباب لعدة تساؤلات عن التحضير الاستراتيجي للجيش،

هذا عدا انعدام الدعم اللوجيستي الكافي لهذا الجيش، إضافة إلى أمور كثيرة يطالب الإسرائيليون حكومتهم بتفسيرها كالإجابة عن السؤال ماذا كان يعرف أولمرت وبيريتس عن مستوى استعداد الجيش لشن حرب على حزب الله، وهل كان القرار متفحصاً؟

والسؤال الأكبر: لماذا فشلت الاستخبارات في عملها وهي تزعم انها أكفأ الاستخبارات في العالم. الرئيس الأميركي جورج بوش لايزال يكذب ويصدق أكاذيبه حين أعلن أول أمس، خلال مؤتمر صحافي، أن حزب الله قد هزم، وجاء باعتراف خطير يؤكد وقوف الولايات المتحدة خلف هذا العدوان، حين قال: «إن الحرب بين إسرائيل وحزب الله هي جزء من الحرب بين الحرية والإرهاب»،

أي أنها جزء من الحرب الأميركية الصليبية على العرب والمسلمين، تحت عنوان بناء الشرق الأوسط الجديد، العدوان على لبنان حسب بعض التسريبات أريد له أن يكون «بروفة» اختبارية لمواجهة أوسع مع سوريا، وخاصة إيران، وقد تم خلاله تجربة عدد من القنابل والصواريخ الخارقة للتحصينات واختبار فعاليتها قبل استهداف المواقع النووية الإيرانية المحصنة.

وفي السياق ذاته كان العدوان يهدف فعلاً إلى تحطيم حزب الله بوصفه اليد الطولى للمقاومة، وإذا كان الإسرائيليون أنفسهم قد اعترفوا بمستويات متفاوتة بالهزيمة، فإن الهزيمة الكبرى هي بالتأكيد للمشروع الامبراطوري الأميركي الذي تعثر في العراق وأفغانستان،

وأحبطت أحلامه في فتح جبهة ثالثة له في الشام، لكل ذلك حق للرئيس السوري أن يتوجه إلى نظرائه العرب بتلك اللهجة القاسية التي خيرتهم بين الالتحاق بخيار المقاومة الذي أثبت جدواه، أو الالتزام بقدر من الحياد. فعلى هذه الدول إذاً أن تعي أن الشريك الأميركي قد خسر الحرب،

من هنا لا بد على الدول العربية المراهنة على محور الاستسلام أن تعيد النظر في علاقتها مع أميركا وإسرائيل، وأن تعلن سقوط معاهدات السلام، وأن يعودوا للفلك العربي، والخيار الاستراتيجي العربي، والعودة إلى أحضان فلسطين لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي ونسفه كلياً.