لم يدم التفاؤل الذي ساد أوساطاً واسعة من الشعب العراقي بعد الانتخابات النيابية الأخيرة ومشاركة جميع فئات الشعب فيها و تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، التي طرحت مشروع المصالحة، إلا فترة وجيزة، عادت بعدها الأوضاع إلى التداعي، حيث تفاقمت الأزمات وتصاعدت حدة العنف وأنحدر البلد مسافات نحو الاقتتال الداخلي.

فقد ازدادت في الآونة الأخيرة المخاطر التي تحيق بالعراق وزادت الاهتمامات الإقليمية والدولية بمجريات الوضع السياسي فيه لأسباب كثيرة لعل أبرزها:

1ـ تزايد أعمال العنف الطائفية وتصعيدها إلى درجة خطيرة غير مسبوقة، لم يخف العالمون ببواطن الأمور خشيتهم من أن تؤدي إلى حرب أهلية واسعة تجر العراق وشعبه إلى نكبة لم يعرفها في تاريخه، و قد لا تقتصر تداعياتها على الأراضي العراقية وحدها، إذ أن عناصر انتشارها جاهزة، فالتوزيع الإثني والديني والمذهبي في المنطقة يساعد على ذلك، فهي قد تُجَرُ برمتها إلى حالة من عدم الاستقرار ومن الصعب التنبؤ بمساراتها.

2ـ بوادر أزمة سياسية داخلية قد تعطل عمل الحكومة العراقية الجديدة في ضوء فشل الخطة الأمنية التي اعتمدتها وتصاعد أعمال العنف وفقدان الأمن، خاصة في العاصمة بغداد، مما دفع إلى الإتيان بقوات أميركية إضافية إلى العاصمة لتدارك الوضع بعد أن فشلت الأجهزة المختصة العراقية في مواجهة الميليشيات المسلحة المسؤولة عن تردي الوضع الأمني.

كانت نقطة البداية لهذا الانحدار هي جريمة تفجير مرقد العسكريين في سامراء، فقد أفرز هذا الحدث المُخطط له بعناية، وردود الفعل التي أعقبته تداعيات مهمة أبرزها:

1ـ تراجع في التأثير المحدود للنفوذ العلماني الليبرالي، الضعيف أصلاً، في الشارع العراقي.

2ـ تراجع في نفوذ المرجعيات الدينية وظهور بوادر تمرد على إراداتها، إذ لم تنصاع الكثير من الفئات إلى نداءاتها المتكررة بالتهدئة كما كان يحدث في السابق.

3ـ انحدار نحو المزيد من الفوضى على مختلف المستويات مما أضعف ثقة المواطن بقدرة الدولة على حمايته وعزز ذلك دور الميليشيات.

4 ـ ظهور تنظيمات جديدة و قيادات جديدة خارج التنظيمات السياسية التي ائتمنت على العراق ومصيره بعد التاسع من أبريل عام 2003.

5ـ زيادة حدة الصراعات داخل الكتل المؤتلفة في مجلس النواب، وظهور بوادر تفتتها.

6 ـ فقدان الإحساس بالهوية الجَمعية، لدى أوساط واسعة من الشعب العراقي، التي تربط عادة مكونات الشعب وتمنع تشرذمه.

7ـ تصاعد عمليات القتل على الهوية.

8 ـ نزوح عدد كبير من العوائل من مناطق التوتر لأسباب طائفية، ففي آخر إحصائية لوزارة المُهجرين والمهاجرين بلغ عدد العوائل المهاجرة (33153) عائلة، توزعت على عموم المحافظات عدا إقليم كردستان.

9ـ زيادة التدخل الخارجي في الشأن العراقي، حيث تعمد بعض دول الجوار إلى تصدير أزماتها الداخلية عبر زيادة تأزيم الوضع الداخلي العراقي.

10ـ فقدان الانسجام في بنية السلطتين التشريعية والتنفيذية المتمثلتين بمجلسي النواب و الوزراء بسبب تبني المحاصصة الطائفية معياراً في توزيع المناصب مما فَرضَ صيغة عمل غَيبت الكفاءات العراقية وأتاحت الفرصة لمن ركب الموجة الطائفية للوصول إلى مراكز متقدمة في هيكل الدولة العراقية، ويمكن رصد ذلك في التصريحات، غير المسؤولة، التي يدلي بها بعض المسؤولين بين الحين والآخر والتي تسهم في المزيد من الاحتقان وتدفع إلى المزيد من التمزق.

11ـ استفحال الفساد المالي والإداري، على مختلف المستويات، في مرافق الدولة، الذي أوشك على إصابة قطاع الخدمات بالشلل التام في ظل العجز عن تقديم المفسدين، الذين من بينهم عدد من الوزراء السابقين وأعضاء حاليين وسابقين في المجلس النيابي، إلى القضاء رغم كثرة الحديث عن ذلك منذ ما يزيد على السنة.

12ـ انتشار عصابات الجريمة المنظمة التي ترتزق بالخطف والقتل وتجارة المخدرات.

لا شك أن المجتمع العراقي يعاني من كوابيس يومية كثيرة أبرزها وجود قوات الاحتلال وما يرافق ذلك من انتهاكات يومية صارخة لقيم المجتمع أحرجت أقرب حلفائها، كما يعاني من جرائم الإرهاب الذي يحصد عشرات الأرواح ويهدر الملايين من الأموال العراقية يومياً،

و يعاني من شلل شبه تام في قطاع الخدمات خاصة في مجال توفير الوقود الذي يوشك أن يعصف بجميع مرافق الحياة، وغير ذلك الكثير. إلا أن هذه المعاناة رغم ما تفرضه من ظلال كئيبة على الحياة اليومية للفرد العراقي ليست غير عوارض زائلة إذا رغب العراقيون في معالجة أسبابها بحسن نية ووضوح ومصداقية.

إذ أن أكثر ما يهدد وجود العراق كبلد هو الاحتراب الطائفي، فهو الخنجر المسموم المُشرع للإجهاز على الجسد العراقي، فمنذ دخول الطائفية بقوة إلى العملية السياسية وهيمنتها على مفاتيحها، تفاقم تأثيرها، في ظل تغييب العقل لصالح تبعية عمياء وتغليب الانتماء الضيق على الانتماء الأوسع،

إلى درجة مقلقة للغاية تهدد بنشوب حرب أهلية واسعة، خاصة ونحن نلمس بوادرها في العثور على عشرات الجثث التي تُلقى يومياً في الشوارع لأناس مغدورين على الهوية، وفي معاناة آلاف العوائل المهجرة من المناطق الساخنة.

ورغم أن المسؤولين العراقيين يقللون من شأن ذلك، إلا أن المنظمات الدولية التي ترصد الأحداث الجارية في العراق، وأبرزها مجموعة الأزمات الدولية، التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، ترى غير ذلك، ففي التقرير الذي أصدرته بتاريخ السابع والعشرين من فبراير الماضي، شخصت مبكراً خطورة النزاع الطائفي في العراق و احتمال تفجره، واحتمال جر المنطقة إلى واقع جديد.

وأهاب التقرير بالساسة العراقيين وبقادة المنطقة بالإسراع في تهدئة النزاعات و إيقاف التدهور. كما لم يخف الساسة الغربيون المحترفون توقعاتهم بزيادة احتمالية انزلاق العراق نحو حرب أهلية واسعة في تقارير بُعثت إلى حكوماتهم.

من السخرية بمكان الحديث عن الديمقراطية من منطلق الانضواء في التكتلات الطائفية، فالتاريخ لا يعرف ديمقراطية بنيت على أسس كهذه. فالمحاصصة الطائفية مسارٌ يمسخ أي تحول ديمقراطي ولا يتفق مع محتواه وآلياته، فهي تجلب معها قيادات وأجندة لا تنبثق من تطلعات المجتمع إلى ما ينسجم ويلبي حاجاته في الوقت الراهن، وإنما تنبثق عن ولاءات موروثة ترجع جذورها إلى ما يقرب من ألف وخمسمئة سنة.

فالطائفية تختزل الثقافة الوطنية لصالح ثقافة الانطواء وكراهية واستبعاد الآخر، وتمسخ الإنسان حين تتيح لعقله فضاءً ضيقاً للتفكير، وتسلب إرادته لصالح إرادات أخرى. وهي اختزال للملايين من أبناء الطائفة في شخوص بضعة أفراد منها يحصلون على النفوذ و المال والجاه وجميع المكاسب الأخرى،

في حين أن جميع الطوائف في العراق تضم طيفاً واسعاً من المفكرين ورجال السياسة ينتمون إلى مواقع اجتماعية وتيارات سياسية متنوعة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وهي لا يمكن أن تُختزل بهذه الطريقة، فذلك نهج مجافٍ لحقائق التاريخ.

ما أحوج العراقيون الآن، خاصة أولئك الذين يجلسون في مقاعد الوزارة، والذين يتجادلون بحدة تحت قبة المجلس النيابي، والذين لديهم النفوذ والقدرة على تحريك الشارع السياسي، والذين يلتزمون الصمت وهم كثيرون، إلى صحوة سريعة وتأمل ما ينتظر وطنهم، قبل أن يسبق السيف العذل، وتتلاشى فرص الخلاص، ولم يعد هنالك من جدوى لهذه الصحوة، فقد يكون الأوان قد فات.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae