وأخيرًا تمّ وقف العدوان الإسرائيلي على الجنوب اللبناني، بعد أن قضى اللبنانيون ما يزيد على شهر من الزمان تحت نيران العدو وقذائفه وصواريخه التي يتحكم بها أشخاص لم يعرفوا قط ولن يعرفوا أبدًا أصول الحرب وأبجدياتها،
إذ أن قادة الجيش «الإسرائيلي» لم يفرقوا في حربهم هذه بين المواقع المدنية والعسكرية، كما لم يفرقوا أيضًا بين الرجل والمرأة والطفل، أو بين الجندي المسلح والمدني الأعزل، فتساوى الجميع أمامهم، وأصبحوا جميعًا فرائس سهلة لجيش يدّعي أنه «لا يُقهر».
ومن باب الأمانة فإننا يمكن أن نسلّم بأن الجيش «الإسرائيلي» كان جيشًا لا يُقهر في هذا العدوان في حالة واحدة فقط.. عندما يقذف بصواريخه وقذائفه على الملاجئ الآمنة التي يختبئ فيها المدنيون من النساء والشيوخ والأطفال، إذ لا يملك هؤلاء الذين يظنون أنهم في مأمن من الغارات «الإسرائيلية» -التي اضطروا بسببها إلى ترك بيوتهم وقراهم والنزوح إلى قرى ومدن أخرى بدت لهم أكثر أمانًا- أن يقفوا في وجه عدو تتبعهم وأغرقهم بصواريخه وقذائفه الغادرة وهم في ملاجئهم.
لقد انتهت أسطورة، أو كذبة، الجيش الذي «لا يُقهر»، وقد كان الفضل بعد الله لحزب الله، ولكل لبناني حر، استطاع أن يدلّل للعالم كله بصموده ومقاومته لهذا العدوان -وأشكال المقاومة كثيرة ومتعددة- على أن أكبر كذبة أشاعها العدو «الصهيوني» وصدقها هو، كما صدقها الكثيرون غيره، هي كذبة «الجيش الذي لا يُقهر»،
فالجيش «الإسرائيلي» الذي اندفع كالكلب المسعور محاولا القضاء على كل مظاهر الحياة في لبنان، لم يستطع أن يحقق إنجازًا عسكريًا واحدًا يُذكر له على طول مدة عدوانه على الجنوب اللبناني، في حين حقق حزب الله إنجازات عسكرية اعترف بها العدو «الإسرائيلي» رغمًا عنه لأنه لا يستطيع إنكارها.
وقد انتهى الأمر إلى اعتراف الجيش الذي «لا يُقهر» بهزيمته العسكرية أمام حزب الله، وبهذا لا بد أن تنقلب المعادلة، وأن تختلف موازين القوى، وتحتاج أطراف كثيرة إلى مراجعة حساباتها. ولكن ليس هذا هو المهم الآن، المهم أن العدوان «الإسرائيلي» الهمجي على الجنوب اللبناني قد توقف، مع ملاحظة أن اليوم الأخير لوقف العدوان كان أشد أيامه شراسة وهمجية،
بل إن الساعات والدقائق الأخيرة له كانت الأكثر شراسة وعشوائية ورغبة في تدمير كل ما يمكن أن يُدمر، إلا أنه لا بد للحق أن يظهر، ولا بد لأصحاب الحق أن ينتصروا، ولا بد للطرف الخاسر من الاعتراف بالهزيمة، إن لم يكن بالكلمات، فعلى الأقل بحالة التخبط العشوائي التي ميّزت اللحظات الأخيرة لهذا العدوان.
ولن أخوض في تفاصيل يعرفها جميعنا عن هذا العدوان من ألفه إلى يائه، ولا عن هذا الوقف الذي طال انتظاره من قِبَل اللبنانيين بالدرجة الأولى، ثم من قِبَل جميع من يملك رابطًا يربطه بالإخوة في لبنان سواء رباط الدين أو اللغة أو الجوار، وأخيرًا من قِبَل كل من يمتلك ذرة من الإنسانية التي أصبح وجودها نادرًا أو شبه نادر في أيامنا هذه.
في هذه السطور سأكتفي بتقديم رسالة شكر مفتوحة إلى جميع أفراد المقاومة في لبنان، ولا أقصد بأفراد المقاومة الأفراد التابعين لحزب الله الذين شاركوا في العمليات العسكرية التي قام بها الحزب ضد العدو «الإسرائيلي» فقط، إنما أقصد كل لبناني شارك في هذه الحرب، وبذل أقصى جهده في سبيل رد العدوان «الإسرائيلي» عن بلاده بما أوتي من طاقة.
وأتوجه بالشكر أيضًا إلى كل العاملين في لجان الإغاثة، في الصليب الأحمر وغيره، الذين كانوا يحاولون جاهدين أن يصلوا إلى المناطق المنكوبة لينقذوا من يمكن إنقاذه من تحت الأنقاض، مخاطرين بأنفسهم في سبيل الآخرين.
كما أوجه شكري لكل من كان موجودًا في لبنان خلال الحرب من العرب وغير العرب، خصوصًا مراسلي الصحف والمحطات الفضائية الذين كانوا لا يترددون في مساعدة أي محتاج. وقد شاهدنا صور الكثيرين منهم وهم يحملون بعض الشيوخ والعجائز، ليساعدوهم في الانتقال من مكان إلى آخر، أو وهم يساعدون عمال الإنقاذ ورجال الإغاثة في أعمالهم.
كما أوجه شكري لأولئك الذين أخذوا ينظفون شوارع العاصمة بيروت وغيرها من المدن حين فرّ عمال النظافة من لبنان مع اندلاع الحرب فيها، وخشي اللبنانيون أن يموت الناجون منهم بالأمراض والأوبئة التي يمكن أن يسببها تجمع النفايات في الشوارع والأزقة، فهبوا لتنظيف المدينة دون فرق بين رجل وامرأة، وبين فقير وغني، المهم أن تبقى بيروت الجميلة نظيفة حتى في أكثر الأوقات صعوبة وشدة.
كما أوجه شكري لجميع أفراد الشعوب العربية والإسلامية التي خرجت في تظاهرات سلمية في أنحاء مختلفة من الوطن العربي تطالب بوقف العدوان على لبنان، وتطالب أيضًا بفتح باب الجهاد الذي لم يُفتح ولن يُفتح، لكنها على الأقل تعبر عما يجول في خواطرها، وتصرح بما تتمناه من أعماقها.
وتجدر الإشارة إلى أن الشارع العربي والإسلامي قد عبّر عن نفسه وعن رغباته وأمنياته بطرق مختلفة، فبالإضافة إلى التظاهرات الآنفة الذكر، قام الكثيرون بالتبرع بالأموال والمواد العينية لإغاثة الشعب اللبناني المنكوب،
في تطبيق حي لمقولة الرسول -عليه الصلاة والسلام- إن المؤمنين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وقد قرأنا في الصحف أخبارًا تُدمي القلب وتُبكي العين، كخبر العجوز الأردنية التي تبرعت للمقاومة بدجاجتها وبسلة بيض هو كل ما تملكه.
لم يتوقف الأمر على هذا، فمن باب التضامن المعنوي مع المقاومة، قام عدد كبير من الموريتانيين ممن رُزقوا بأولاد ذكور خلال الشهر الماضي بتسمية أولادهم (نصر الله) تيمنًا باسم رجل المقاومة الأكثر شعبية. أما إن كان المولود أنثى فكانوا يطلقون عليها اسم منصورة، أو ناصرها الله.
إن أشكال تضامن الشعوب العربية والإسلامية مع الشعب اللبناني في محنته الأخيرة كثيرة، ولعل منها التضامن بالدعاء وبالكلمة، وقد انتشرت الرسائل النصية والرسائل الإلكترونية خلال الشهر الماضي تحث الناس على الدعاء لأبطال المقاومة في لبنان، بأن ينصرهم الله، ويرد عنهم كيد عدوهم، ويفرج عنهم كربهم.
لا تزال الشعوب العربية والإسلامية بعافيتها، ولا يزال الخير باقيًا فيها، ولكن تجب الإشارة إلى أن الشعب اللبناني ساعد نفسه بنفسه في هذه الحرب، حين أثبت للجميع أنه كتلة واحدة وموحدة، لا يمكن تجزئتها، ولا يستطيع أحد التفريق بينها بسلاح الطائفية كما حدث في العراق، وقد كانت الطائفية ورقة خاسرة لعب بها الجيش «الإسرائيلي» حينًا ثم ألقاها وراءه حين وجد أن وحدة الشعب اللبناني محصنة ضد هذه الاختراقات.
هنيئًا للشعب اللبناني انتصاره على عدوه، وهنيئًا له تحطيمه لأسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وهنيئًا له حفاظه على وحدته رغم محاولات العدو الحثيثة للنيل منها، وهنيئًا له توحيده الشعوب العربية والإسلامية على كلمة واحدة لمدة شهر كامل، وهنيئًا له أن حظي بشرف المقاومة.
جامعة الإمارات
