في يوم الأحد، الثالث عشر من أغسطس الجاري احتفلت كوبا.. الجزيرة الكاريبية الصغيرة المشاغبة بعيد الميلاد رقم 80 لزعيمها المخضرم فيديل كاسترو.. ترددت في أروقة العاصمة هافانا.. وفي مسالك الأرياف الكوبية حيث مزارع السكر والطباق الذي يصنعون منه سيجار هافانا الشهير الذي أصبح عَلَماً على الزعيم الكوبي نفسه..
صيحات وشعارات «فيفا فيديل» هاتفة بحياة الرئيس الذي مازال يتعافى في طور النقاهة بعد جراحة أجريت له مؤخرا في الجهاز الهضمي وكان لها أن تثير بالطبع عواطف من التكهنات والتخمينات وخاصة في أميركا التي لا تبعد كوبا سوى بعشرات الأميال فقط عن سواحلها الجنوبية الغربية في ولاية فلوريدا، التي مابرحت بدورها تأوي أفواجا من بعد أفواج من الكوبيين..
الذين وفدوا على سواحل الولايات المتحدة لاجئين ومنفيين وهاربين ومعارضين تتردد بين صفوفهم الشعارات المعادية للنظام الكوبي وفي مقدمتها بطبيعة الحال الشعار المضاد: اباخو كاسترو ويدعو بالاسبانية الى سقوط الزعيم الذي حكم كوبا على امتداد السنوات السبع والأربعين التي بدأت منذ نجاح الثورة التقدمية الكوبية في عام 1959.
خاض فيديل معارك كثيرة لم تكن لتبدأ مع نجاح ثورته ورفاقه من شباب أميركا اللاتينية ضد الفقر والظلم والديكتاتورية والسطوة الطاغية لجارتهم المهولة في واشنطن. يقول كتاب «الانقلابات» الصادر في ربيع هذا العام في أميركا:
في عام 1952 عقدت الانتخابات البرلمانية في هافانا في ظل نظام الديكتاتور (السابق) باتستا.. تقدم للترشيح سياسيون طامحون الى قدر من التغيير في الأوضاع، كان من بينهم محام شاب ينتمي الى أسرة ميسورة من الشريحة العليا للطبقة الوسطى الكوبية،
وكان يمكن لهذا الشاب الطموح أن يصبح نائبا في برلمان بلاده وربما يتولى مسؤولية أكبر يخدم بها القضايا التي كان يؤمن بها في إطار من التوازن أو الاعتدال لكن باتستا عمل على تزوير الانتخابات ولم يدخل المحامي الكوبي الشاب البرلمان..
وكان السبيل الآخر للعمل الوطني هو رفض النظام المهترئ المزوّر العميل.. وكانت الوسيلة هي العنف وهي الانضمام الى التنظيمات العقائدية التي دعت الى التغيير من خلال الثورة وكان اسم هذا المحامي الشاب هو: فيديل كاسترو.
وفي دراسة إضافية نشرتها مؤخرا مجلة «نيويوركر» (عدد 31/7/2006) يقول الكاتب الصحافي الأميركي جون لي أندرسون): «على مدى عشرات السنين الماضية، عمل فيديل كاسترو على استثمار جاذبية شخصيته وقوة شكيمته ورسوخ موقعه الفريد كزعيم للجزيرة الكاريبية وبهذا بلغت قيادة كاسترو لبلاده مكانة أسطورية».
في آخر أيام شهر يوليو الماضي سارعوا الى معالجة جراحية لنزيف الأمعاء الذي أصاب كاسترو.. وقبل أن تتكاتف التوقعات والشائعات خاصة من جانب القوى المتربصة بالزعيم اللاتيني وببلاده ما بين المعارضة الكوبية في ميامي وما بين خبراء أميركا اللاتينية في الخارجية الأميركية والبيت الأبيض في واشنطن سارع كاسترو من جانبه الى رسم علامة النصر بأصابعه قائلا: «أنا أتمتع بلياقة كاملة من حيث روحي المعنوية».
لكن أوساط الخصوم والمتربصين مالبثت أن رددت قولها: «لو كان في لياقة كاملة.. لما سارع من جانبه الى تفويض سلطاته الى أخيه - وزير الدفاع المخضرم راؤول كاسترو». والمعروف أن خصوم نظام الرئيس الكوبي كثيرون،
ومنهم مثلا بخلاف أميركا قوى المحافظين في مجالات السياسة والإعلام في بريطانيا، هكذا نشرت مجلة محافظة ومهمة - الايكونومست اللندنية (عدد 5 أغسطس الجاري) موضوعا استهلته بعناوين لا تخلو من شماتة سياسية وربما معنوية - عناوين من قبيل: «بداية النهاية لفيديل كاسترو»®. أو من قبيل: «حالة الشحوب والذبول وربما نترجمها أيضا الى: نحو الغروب والتلاشي الى الزوال».
وبصرف النظر عن العوامل النفسية أو «عن شخصنة» البغض والكراهية - فالحاصل أن السؤال بات مطروحا في هافانا وفي العواصم المعنية الأخرى وبإلحاح شديد: «نعم.. ماذا بعد كاسترو؟». تقول موسوعة اكسفورد لتاريخ العالم المعاصر (ص160):
«نظام الحزب الواحد الذي تزعمه كاسترو في كوبا حقق منجزات مرموقة في مجالات الصحة العامة والتعليم والإسكان.. رغم أن سجله في مضمار حقوق الإنسان مازال قاصرا»، وتلك شهادة يعتد بها بكل مقياس، وقد يضيف إليها ما سبق ونشرته الميديا الاعلامية المحترمة في أميركا ذاتها (نيويورك تايمز مثلا) من أن المستوى الصحي في هافانا يوازي بل وأحيانا يفوق نظيره المستوى الصحي في مدينة نيويورك مثلا..
حيث لا يرجع الفضل في ذلك الى ثراء كوبا بالنسبة لأميركا ولا الى سعة ما تملكه من امكانات.. لكن الفضل يرجع أساسا الى حسن التنظيم والتفاني في الأداء والحماس من أجل الإنجاز وأيضا الى القضاء على أمية جميع السكان
ومن ثم الارتقاء بمستوى الوعي العام بين صفوفهم ربما في ذلك الوعي بأساليب وآليات الوقاية الصحية، بيد أن هذه الانجازات وتلك المقارنات لابد وأن تقاس موضوعيا في ضوء حقيقة دامغة ومزمنة تقول بغير مواربة: إن كوبا حققتها بينما هي ضحية حصار اقتصادي خانق مابرحت تفرضه واشنطن على الجزيرة على مدى أكثر من 40 عاما.
مع ذلك فقد واصلت كوبا حياتها واستمرت زعامة كاسترو في تأثيراتها على الأحداث والتفاعلات ولاسيما في قارة أميركا اللاتينية.. يرجع السبب والفضل أيضا الى أن كوبا وجدت بعد الانهيار السوفييتي في تسعينات القرن اثنين من الأطراف - الأصدقاء اللذين لم يترددا في مد يد العون - كان أولهما طرفا بعيدا هو الصين التي تطلعت ومازالت تتطلع الى دور دينامي رائد وحاكم على الساحة الدولية فكان أن وظفت استثمارات طائلة في كوبا مما أدى الى إنعاش، ومن ثم إنقاذ اقتصاد الزعيم كاسترو..
أما الطرف الثاني فكان جارا متحمسا ومعجبا و.. غنيا أيضا بموارد البترول بالذات.. اسمه فنزويلا ولم يكن الأمر تطوعا ولا مبادرات خيرية باعتبار أن علاقات الدول هي في جوهرها تبادل للمصالح أو ينبغي لها أن تكون..
وكل ما في الأمر - تقول الايكونومست البريطانية - ان شافيز رئيس فنزويلا اشترى خدمات ثمينة من كوبا وتجسدت بالذات في توظيف عدد كبير من أطبائها المشهود لهم - كما ألمحنا - بالبراعة ودقة الأداء وقدم الى كوبا في المقابل الإمدادات التي تحتاجها من البترول وبأسعار ثابتة.
في ضوء هذا كله يتوقع مراقبو السياسة أن يظل لفنزويلا ولرئيسها الحالي شافيز رأي ما، وتأثير بصورة أو بأخرى في تشكيل صيغة ما بعد الزعيم كاسترو في كوبا. في ضوء الظروف ذاتها يمكن القول ان ليس من شخصية بارزة أو مرموقة على ساحة كوبا يمكن أن توضع العين عليها لخلافة الزعيم كاسترو..
ومن ثم فنحن نرجح من جانبنا أن يؤول الأمر الى شكل ما من أشكال القيادة الجماعية في كوبا وخاصة في ضوء عاملين استجدا مؤخرا.. أولهما تلميح راؤول كاسترو الى أن الأمر لن يعود إليه شخصيا بل سيعود الى الحزب الثوري الحاكم
وثانيهما أن الحزب عمد في آخر اجتماع عقده على المستوى القومي الى إعادة تشكيل أمانته العامة حيث لمعت في إطار التشكيل عناصر يمكن أن تكون محل اختيار واختبار أيضا في مستقبل الأيام.. ومنها وزير الخارجية السيد روك المقرب الى الزعيم كاسترو ومنها أيضا رئيس الجمعية الوطنية ريكاردو ألارسون.
كاتب مصري
