لا شك أن إحساساً بالحسرة يسود الآن عدداً من العواصم العربية بسبب النتيجة التي انتهى إليها العدوان على لبنان، فالرهانات العربية المهزومة سقطت بمجملها وتكسرت على مقاومة صلدة كالصخر. بداية أسقطت عواصم القرار العربي من حساباتها أن هناك حقاً وباطلاً وأن هناك نفراً من هذه الأمة لا يزالون يعشقون الشهادة عشقهم للحياة بكرامة، وأن العزيمة والإرادة تجعلان الأسلحة البدائية أقوى من كل الترسانات العسكرية.

لم يكن يخطر ببال أحد أن إسرائيل التي سبق وأن هزمت جيوشاً عربية مجتمعة يمكن أن تعود بخفي حنين أمام ألفي مقاتل حاولت العواصم العربية والدولية عزلهم تارة بالمذهبية وتارة أخرى بالتواطؤ وعدم توفير دعم سياسي يظهر للعالم أن هؤلاء ليسوا جماعة إرهابية كما تدعي واشنطن وتل أبيب.

حسرة كثير من العرب نابعة من عدة أشياء:

- إحساسهم بأثر رجعي أنهم كان يمكن أن يظهروا كشركاء في تلقين إسرائيل وأميركا درساً، بأن امتلاك القوة وحدها لا يقود بالضرورة إلى تحقيق انتصارات في ميادين المعارك، وإنما امتلاك الحق هو ما يجعل طرفاً ضعيفاً وآخر قوياً.

- سريان شعور عام بأن المليارات التي تصرف على جيوش مهلهلة ومنزوعة العقيدة العسكرية لا فائدة من ورائها، فهذه الجيوش رغم عدتها وعتادها لم تتحرك من ثكناتها منذ عقود، كما أنها لا تتصور مجرد تصور أن تخوض معركة ولو خاطفة ضد إسرائيل، فهي محكوم عليها بالهزيمة لأن روحها المعنوية متدنية وهذا وحده كافٍ لانكسار أعتى الجيوش.

- انكشاف بعض الأنظمة وفقدان الثقة فيها، فالقادة العرب لم يتجرأوا على عقد قمة تصدر مجرد بيان لا يغني ولا يسمن من جوع.. يدعم لبنان (لفظياً) في محنته، ويطالب إسرائيل بالكف عن عدوانها غير المبرر، ويناشد الولايات المتحدة أن تتصرف مرة كدولة كبيرة لها قيمها ومبادؤها لا كدولة عصابات تمارس البلطجة هنا وهناك دون رادع من ضمير.

- انه إذا نفذت إسرائيل قرار مجلس الأمن الأخير 1701 فإنها تكون المرة الأولى في تاريخها التي ترتدع فيها لقرار دولي، والجميع يعرف أن السر لا يكمن في احترامها للهيئة الدولية بقدر ما يعكس يقيناً إسرائيلياً بمواجهة خصم عنيد يستطيع أن يرد الصاع صاعين إذا ما استمر القتال. وفي المقابل هناك عشرات من القرارات التي صدرت قبل عقود ومع ذلك لا تزال حبراً على ورق وتخص أطرافاً عربية أخرى.

حقاً دمرت إسرائيل ما وسعها التدمير في لبنان. هدمت بيوتاً بالآلاف وارتكبت عشرات المذابح ضد المدنيين ودفعت نحو مليون إلى النزوح، لكنها لم تستطع كسر إرادة اللبنانيين عامة والمقاومين بشكل خاص، فقد ظل لبنان شامخاً مرفوع الرأس، يقدم التضحيات دون أن ينظر خلفه لأنظمة متخاذلة ومنافقة. ووفقاً لأي مقياس فإن لبنان خرج من حربه الطاحنة منتصراً، ذلك أن أهداف إسرائيل لم تتحقق، فلم تستطع كسر شوكة حزب الله ولا إرغام الدولة اللبنانية على نزع سلاحه وفقاً لأجندات خارجية، كما لم تستطع إقامة منطقة عازلة ولا إدخال قوات أجنية تحمي حدودها الشمالية.

اليوم يفرح العرب المخلصون الذين ساندوا المقاومة بنصر الله، ويستذكرون قول الله تعالي »إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من دونه«. تحية للبنان بمسلميه ومسيحييه ودروزه.. تحية لكل طفل وشيخ، ويا أيها المقاتلون المنصورون أنتم تاج رؤوسنا، لكم الفضل كل الفضل في رفع رأس هذه الأمة، وليخسأ المتخاذلون.. كل من شكك وتواطأ ومنح إسرائيل فرصة القول إنها تخوض حربها بدعم من عواصم عربية.. لتفرح الأمة، إنها لحظة عزيزة.. لحظة نصر جاءت لتنتشلنا من اليأس والخزي والعار الذي كلل رؤوسنا لزمن طويل.

magdishendi@hotmail.com