لأنه أيقظ داخلي نائماً يبدو لا نومة له بعد اليوم. في الأربعينات من عمري، ومنذ الطفولة وإلى الآن كنت أعاني من عقدة كلمتي: إسرائيل أولا، وفلسطين ثانيا، أراهما أمامي كلما فتحت تلفازا اومذياعا او صحفا. وأخيرا وفي سن المراهقة، لجأت لمن هو أكبر مني سنا وفهما ودرجة سائلا بعاميتي المحلية يومها «أستاذ أستاذ.. شنو يعني فلسطين وفلسطين..؟».

وبما ان الأستاذ صاحب درجة علمية تخصصها (جغرافيا الوطن العربي)، لملمت حواسي الخمس لتدوين وحفظ إجابته بكلماته التي مازالت ترن في أذناي، وهو يقول أيضا بعاميته العربية الأفريقية: (سيبك منوه يبوحميد.. فلسطين ما هي إلا حرفان أولهما: «فلس» وآخرهما «طين» يعني فلس وطين).

طبول أولمرت في لبنان اليوم، وبعد 25 سنة من إجابة أستاذ الجغرافيا، أعادت لي جدولة حساباتي لفهم فلسطين أولا وإسرائيل ثانيا.. ولكنني وعندما راجعت حساباتي مرة أخرى بمقارنة طبول أولمرت بصمود الجنوب، وجدت كفة الرجحان تميل بنفسها نحو المقاومة اللبنانية، التي لم ترقص على طبول اولمرت، بل أرقصت أولمرت وبيريز ورايس وبوش في البر والبحر والفضاء.

طبول أولمرت في الفضاء.. وفي اقل من أسبوعين، سقطت مجموعة طائرات منها F/16 ، تقول عنها إسرائيل كلها سقطت بخلل فني، او بتماس كهربائي، أو لعلها بسبب البيئة. طبعا، لأنها مصنوعة في بيئة أميركية نظيفه لتعايش بيئة مشابهة، (وما أشبهها بإسرائيل)، فلا تصلح لدخان بيروت وتلوث الجنوب، وقد لا تصلح لجميع بيئات الشعوب العربية والإسلامية.

وطبوله في البحر.. دمرت البارجة الإسرائيلية ساعر على سواحل بيروت، تقول عنها إسرائيل انها عادت الى تل أبيب سالمة، مع فقدان جندي عثر عليه أخيرا في إحدى الدهاليز لعله تجاوز حدود رشفات النبيذ مع عشيقته، ففقد توازنه ثم فقد صوابه ثم فقد عقله، ثم، أخيرا لعله ايضا فقد روحه، فلم يكن من نصيبه أكثر من مجرد (الموت الرحيم) ومن حيث لا يدري.

ودمرت الساعة الثانية (ساعر 7,4) قبالة الصور، فقالت اسرائيل إنها لم تدمر ولن تدمر والغريب أن أعلام العدو لم تبث على الشاشات حتى الآن ما يثبت العكس من لقطات حية، وما أسهل حصرها وهي كما يقال: ثلاث سواعر حصريا توجد في المنطقة فقط عند إسرائيل.

عكس ما بثته قناة تلفزيون المنار حيا بكلمات حسن نصر الله مضمونها: (الآن وفي هذه اللحظة، وأنا أتكلم معكم عبر هذه الشاشة، البارجة الإسرائيلية التي اعتدت على تراب لبنان، تحترق لتغرق وعلى ظهرها العشرات من الجنود الإسرائيليين الصهاينة).

وطبول أولمرت في الأرض.. حولت دبابات ميركافا الى سيارات عادية «مبنجرة»، إذ تقول عنها «غرافيك نيوز»: إن ميركافا إم ك4 من احدث النمور الميدانية انفردت إسرائيل بها في المنطقة منذ دخلت الخدمة عام 2004،

طاقمها: 4 ويمكنها حمل 8 جنود، وعلى ظهرها مدفع رشاش عيار 62,7 ، وفي الواجهة مدفع عيار 120 مليمترا، وحواليها سلاسل تحمل كرات لإجبار القذيفة على الانفجار قبل الارتطام بالدبابة، ولها حواشٍ لحماية جنزير الدبابة، ومحركها السحري الأمامي يسمح لقوات المشاة بالدخول أو الخروج من المدخل الخلفي دون أن يراه أحدا.

وجدير بالذكر ونحن في شهر (أغسطس)، أنه يبدو لي أن أميركا بعد 60 عاما من هيروشيما، قررت الهبوط على الأرض في شهر (أغسطس)، لكن هذه المرة ليس بحمائم السلام وانما بدبابات ميركافا. ففي تمام الثامنة و 15 دقيقة من صباح السادس من (أغسطس 1945)،

ألقت القاذفة الأميركية «ب 29» المسماة «اينو لاغاي» ويقودها الكومندان «بول تيبتس»، القنبلة النووية الأولى في التاريخ فوق مدينة هيروشيما اليابانية، وقضت القنبلة التي أطلق عليها اسم (الصبي الصغير) والتي انفجرت في السماء على مئة وأربعين ألف شخص ومحت خلالها المدينة تماما.

وعقب ذلك بثلاثة أيام، وأيضا في التاسع من (أغسطس) 1945 (العام ذاته) أطلقت الولايات المتحدة الاميركيه قنبلة ثانية محت هذه المرة مدينة ناغازاكي من الوجود. وفي أغسطس (ذاته) لكن هذه المرة عام 2006 أيضا ترددت الأنباء عن نقل الطائرات الأميركية القنابل الذكية الى إسرائيل لضرب لبنان وفلسطين، والمؤشرات البدائية بدت للعيان بصعود عدد الضحايا لكل قصف،

وتكاثف ازدواجية مهمات طائرات الاستطلاع (multifunction) ، إذ ارتقت طلعاتها من مجرد التجسس إلى الاستطلاع والاستكشاف والتصوير والتضييق والتحكم والضرب في آن واحد. وفي أغسطس أيضا يقال عن جورج بوش، انه اعتاد ان يقضي إجازته السنوية شهرا كاملا في مزرعته بكراوفور في ولاية تكساس، ويقرأ فيها 1500 صفحة من ثلاثة كتب مختارة، لكنه هذا العام قلص،

فلن يقضي سوى عشرة أيام فقط من شهر أغسطس 2006، ولن يقرأ الا ألف صفحة موزعة على ثلاثة كتب احدها عن «تاريخ شلل الأطفال في الولايات المتحدة». وهنا أطالب مراسلي الفضائيات العربية ان يرسلوا عبر الأقمار الصناعية صور أطفال لبنان (الأحياء منهم والأشلاء) من ضحايا قنابله الذكية، لإحلالها بين صفحات قراءات السيد بوش عن شلل الأطفال.

وفي أغسطس أيضا قرر وزراء خارجية العرب المجتمعون في بيروت ان يفكروا بقمة عربية طارئة، «الطارئة» بالمعني الحقيقي لأنها طرأت على بالهم بعد 27 يوما من العدوان الوحشي، وليس طارئا بالمعنى المجازي كما طرأ عربيا في بدايات العدوان على بال الجمهورية اليمنية،

وطرأ عالميا على بال «فنزويلا» وطبول أولمرت قد تستمر، وعلى دقاتها قد تكتمل قصة مبنى يتكون من 22 طابقا اندلع فيه الحريق، فقرر ملاكه أن يعقدوا اجتماعا طارئا في أجمل حديقة مجاورة للبحر مناخها صحي ورومانسي، لأن حديقة المبنى ملوثة بدخان، لا تصلح للاجتماعات.

واستغرقت عملية بحث وانتقاء وتشاور وإرضاء مالك كل طابق على حدة يوما كاملا ليجتمعوا بعد 23 يوما، وليعودا متفقين على إخماد الحريق ولكنهم اختلفوا هذه المرة على الأدوات والمصطلحات. لأنهم أدركوا ان مصطلحاتهم السابقة لا تنفع، وأدواتهم القديمة لا تصلح، ذلك لأن البناء كان قد تحول الى أرض محروقة وبالتالي تغيرت مصطلحاته من «إندلاع» الى التهام، وركام، وحطام، وبجواره كان في الانتظار من يحمل لهم الرغيف بشروط «الشرق الأوسط الجديد».

كاتب إماراتي

ui@eim.ae