عندما يسقط وهم القوة التي لا تقهر، تصبح جميع «الألفاظ» ممكنة... حتى ولو كانت تدل على فقدان التوازن والسيطرة على النفس... وتمسي التصريحات دلالة واضحة وفاضحة في نفس الوقت على أن القوي أصبح مركونا في زاوية حرجة جدا فلم يجد بداً من صب الشتائم والسباب على كل من هب ودب... دون أن يراجع عقله فيها...

لقد أصبح تصريح بوش الأخير بخصوص (الفاشية الإسلامية) موضع تحليلات لعلماء النفس... فلزعماء العالم الكبار وحتى طغاته المتكبرين الذين نقرأ عنهم في التاريخ مواقف تجعلهم أشبه بالجبال التي يصعب الوصول إلى قمتها... فنيرون مثلا أحرق روما، ولكننا لا نحفظ من مقولاته ما يدل على ضعف الموقف واختلال المنطق،

وخروتشوف ضرب بحذائه على طاولته في اجتماع الأمم المتحدة احتجاجا، ولكن جميع تصريحاته كانت مهيبة ومدروسة، وهتلر احتل نصف أوروبا في شهور معدودة إلا أن خطبه الساخنة كانت المحرك القوي لجيوشه الجرارة التي وصلت إلى عمق روسيا واحتلت فرنسا.

غير أننا اليوم في الألفية الثالثة نشهد تصريحات بعض زعماء العالم الكبار تصبح موضعاً تندر وكاريكاتيرات الصحف العالمية... والمصيبة أن بعض التصريحات التي يتم التفوه بها والتي توضع في خانة ما يسميه العرب (الرعونة) تجر على صاحبها ويلات كثيرة... ومصائب جمة... يصعب الخروج منها... فبدلا من تخفيف الضغط على قائلها تضعه في مواجهة مصائب أخرى...

لأول مرة في تاريخ العالم نسمع بصفة الفاشية الإسلامية... أو الإسلاميون الفاشيون، يتفوه بها زعيم دولة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية... لأن الآخرين من زعماء وقادة العالم الذين هم على خط المواجهة مع المسلمين والعرب قد درسوا جيدا الخطوط العريضة للتاريخ الإسلامي وتاريخ العرب ولو على عجالة وعرفوا بالتالي لماذا وكيف وصل الأمر ببعض الجماعات لتتحول إلى العنف والإرهاب.

وربما كان على رئيس الولايات المتحدة الأميركية أن يكون آخر من يتحدث عن الفاشية الإسلامية (إذا كان يقصد بها جماعة القاعدة أو حماس أو حزب الله) لأن من سبقوه في حربهم الباردة على ما كان يطلق عليه سابقا الاتحاد السوفييتي هم الذين أسسوا القاعدة فعليا في أفغانستان لتحقيق مآربهم في منطقة الشرق الأوسط...

وسياسة إسرائيل التوسعية والاستيطانية والقهرية هي التي أوجدت حماس للدفاع عن حقوق شعبها، وأطماع الغرب في لبنان واحتلال جنوبه هي التي دعمت قوة حزب الله وليس إيران وسوريا. وجميع هذه الأحزاب الثلاثة أفقدت الكثيرين صوابهم!

والأخطر من ذلك، أن استخدام السيد جورج بوش جونيور مصطلح الفاشية الإسلامية بهذه الصورة جعل الكثيرين في العالم ممن يتتبعون الأخبار يتساءلون عمن هو الفاشي الحقيقي؟ المقاومة التي تحارب الاحتلال (ولو أن لا أحد يوافقهم الرأي في تلك الطريقة التي تزهق أرواح المسلمين الأبرياء أيا كانت مذاهبهم ومعتقداتهم) أم الدولة العظمى التي جاءت من أقصى الغرب بكل قوتها وعتادها وجنودها

وقنابلها الذكية والغبية وصواريخها النووية والفسفورية والكيمائية ودباباتها البرية والبحرية وأساطيلها وطائراتها الحربية لتصفية دولة صغيرة ذات سيادة وتاريخ عريق لا تتعدى مساحتها مساحة أصغر ولاية أميركية وتسويها بالأرض في عدة أيام بحجة سخيفة ومضحكة في آن واحد (واتضح فيما بعد أنها كانت كذبة سوداء للبيت «الأبيض») وهي امتلاك العراق لأسلحة لا تقتل وقنابل لا تنفجر ودبابات لا تتقدم ومدافع لا تعمل؟

هل الفاشي هي جماعة حزب الله وحماس والمسلمون أم الذي قتل مئات الآلاف من الأطفال والنساء وهدم البيوت على روؤس ساكنيها وهم نيام واغتصبت جيوشه بناتها الصغار وبعد اغتصابهن قام بتصفيتهن بعدة طلقات أميركية الصنع في الصدر والوجه والرأس والظهر ومن ثم قام بقتل أهاليهن في دورات المياه التي لجأن إليها هربا وخوفا على أنفسهن لكي تكتمل الجريمة؟

هل الفاشيون هم المحاربون المسلمون والأحرار في كل مكان من العالم الإسلامي من أجل حريتهم واستقلاهم وحقوقهم التي تنتهك يوما بعد يوم أم القوى العظمى التي سوت دولا بالأرض لغرض تأمين مصالحها النفطية والاستراتيجية فحولت طائراتها سجونا عسكرية تشمئز منه النفوس؟

هل الفاشيون هم المسلمون (لأن السيد جورج بوش لم يحدد من هم الفاشيون المسلمون بالاسم وبذلك أصبح تعبيره شاملا كل مسلم على وجه الأرض) الذين يدافعون عن أراضيهم المحتلة في غزة (لأن حماس المنتخبة ديمقراطيا إرهابية، إذن هي فاشية)

وفي لبنان (لأن حزب الله يريد إبطال مخططات الدول العظمى في لبنان والمنطقة فهو إرهابي وبالتالي فاشي) أم الذين ينقلون عبر خط جوي متواصل ليل نهار مئات الآلاف من الأطنان من القنابل الفتاكة المحرمة دوليا وشرعيا وأخلاقيا إلى إسرائيل لكي تنجز ما لم تستطع السياسة الأميركية إنجازه بالمخططات والدسائس؟

فإذا ثبت أن كل ما تقوم به القاعدة أو الفاشيون المسلمون (حسب تعبير بوش) من شرور ومن إجرام ومن إرهاب يعادل خمس ما تقوم به بعض الدول العظمى على أراضي الدول الضعيفة والفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، فنحن نعترف بأننا نستحق تلك الصفة...

وما عدا ذلك فإن تلك التصريحات يجب فهمها على أنها نتيجة نفسية للهلوسة التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية نتيجة تخبطها في حرب العراق من جهة وجنون (البشر) الذي تعيشه إسرائيل في أوحال لبنان منذ أكثر من شهر من جهة أخرى... فتلك تواجه حرب عصابات فتاكة على مدى سنوات وسنوات حولت أحلام السياسة الأميركية في احتلال العراق وسرقة نفطه إلى كابوس

بينما الأخرى حولت تخيلات إسرائيل العظمى التي لا تقهر إلى فقاعات... وكان المخرج الوحيد للأولى هو توريط الثانية في دخول حرب سادسة في لبنان بهدف تخفيف الضغط المتزايد على نزيفها في العراق وعلى تردي شعبية الرئيس الأميركي على أرضه، وإذا بتلك الخطة تسقط على رأس الرئيس بوش وسمعة ومكانة الولايات المتحدة الأميركية في العالم الذي يشاهد قنابلها تحول أطفال لبنان إلى أشلاء.

ووفق الكثير من المصادر السياسية والعسكرية، فإن إسرائيل دخلت الحرب هذه المرة غير راغبة ولكنها مكرهة بأوامر من الولايات المتحدة الأميركية، لأن إسرائيل كانت مدركة تماما من خلال تجاربها السابقة ما يعني على أرض الواقع مواجهة حزب الله في لبنان...

وأنها في هذه الحرب الأخيرة قررت أكثر من مرة الخروج منها في أيامها الأولى بعد أن اكتشفت أن إمكانيات حزب الله الحربية والتكتيكية تفوق بكثير ما كانت تتصوره وأن القضاء عليه أمر غير وارد بتاتا خاصة بعد أن توحد الشعب اللبناني بأكثرية طوائفه خلف حسن نصرالله والمقاومة التي أسسها وخطبه الهادئة والثابتة والمتزنة والتي أجبرت الحكومة الإسرائيلية على منع بثها على الفضائيات الإسرائيلية مباشرة لما لها من تأثير نفسي سلبي على اليهود الذين ذهبوا يتابعونها على قناة المنار!!...

وما يصلنا من أخبار الاجتماعات السرية التي تعقد بين القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل ليس إلا باليسير جدا، ومع ذلك تكشف عن أن الخلافات تزداد يوما بعد يوم بين رجال الحكم والحرب، وأن الأمور تسير في اتجاه غير مأمون العواقب لإسرائيل وبالتالي لسياسة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة التي تخطط لتصفية الأحزاب التي تنادي بحرية الشعوب العربية والإسلامية كحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وغيرها من الأحزاب المحاربة.

والأدهى من ذلك الحديث عن خطة محكمة لتفجير عشرات الطائرات البريطانية في الجو بأسلوب إرهابي جديد... كاد أن يقلب الأمور في العالم رأسا على عقب... لولا أن الله ستر... والغريب في الأمر أن ذلك جاء في وقت كان الإعلام العالمي كله منصبا على نقل فظائع هجوم الإسرائيليين على لبنان بما فيه من وحشية غير آدمية

وسقوط إسرائيل في مستنقع الحرب اللبنانية وفشل آلتها العسكرية فشلا ذريعا، فجاء ذلك الخبر ليحول الأنظار عن أكبر هزيمتين عسكريتين لأعظم قوتين في الشرق الأوسط والعالم... وكأن القصة مفبركة بسيناريو إسرائيلي- أميركاني لحاجة في نفس يعقوب!

فماذا نتوقع من قادة الحرب الفاشيين غير التصريحات الفاشلة؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com