تجسد الأزمة الحالية بين اسرائيل وحزب الله اللبناني الصورة الجديدة للنظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وهي المرحلة التي بدأت إرهاصاتها ليس مثلما يقول المحللون الغربيون مع انهيار الاتحاد السوفييتى وتفككه، ولكن مع ضرب برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.
وهذه المرحلة يطلق عليها مرحلة ما بعد الحداثة في العلاقات الدولية. حيث انتهت العلاقات الدولية من التمحور حول الدولة القومية،وبرز فاعلان آخران أكثر أهمية أحيانا من الدولة القومية ذاتها.
وإذا كانت الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي قد اتسمت بوجود لاعبين اخرين غير الدولة مثل منظمات المجتمع المدني، خاصة تلك التي تتخذ طابعا عابرا للدول مثل العفو الدولية ومراسلون بلاحدود والهيومان رايتس واتش.
كما برز دور منظمات دولية اخرى كمنظمة التجارة العالمية والوكالة الدولية للطاقة الذرية والصليب الاحمر الدولي ووكالة غوث اللاجئين وغيرها من المنظمات التي لعبت أدوارا مهمة في المشكلات والقضايا الدولية، فان قيام تنظيم القاعدة بضرب البرجين في نيويورك دشن حقبة جديدة في النظام الدولي تتميز بدخول القوى غير الرسمية إلى النظام الدولي كأطراف فاعلة ومؤثرة.
وفي أعقاب احداث 11 سبتمر خرجت تحليلات ترى ان نظام الثنائية القطبية لم ينته ولكن حدثت عملية احلال وتجديد فيه فبعدما كان النظام يقوم على كتلتين اساسيتين هما الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتى والكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة، أصبحت هناك كتلتان الاولى بزعامة الولايات المتحدة والدول التي تسير في ركابها.
والثانية بزعامة تنظيم القاعدة ومؤيديه الذين لم تقتصر جنسياتهم وهوياتهم على الدول العربية والاسلامية فقط وهؤلاء المؤيدون لايمثلون دولا بقدر ما يمثلون افرادا مهمشين أو متمردين على النظام الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة بمكوناته الاقتصادية والاعلامية وغيرها.
وما يؤكد ما نذهب اليه ان جيوش تحالف دولى كبير ذهبت إلى الحرب في أفغانستان لكي تحارب أشباحا تقول انها تنتمي إلى حركة طالبان أو تنظيم القاعدة ومازالت تحاربهم هناك.
وكل من طالبان والقاعدة ليست لهما اية صفة رسمية وما يحدث من خسائر لديهما لايمكن بحال من الاحوال ان يعتبر بمثابة خسائر لهما لان الطابع الشبحى هو الغالب عليهما. ونفس الأمر حدث عندما دخل ابو مصعب الزرقاوى وتنظيمه حلبة الصراع في العراق حيث اصبحت الحرب الاميركية ليست امام جيش نظامي أو منظمة ذات طابع رسمي ولكن امام شبح لايمكن معرفة طبيعته أو قدرته القتالية أو طبيعته التنظيمية.
وهذا الأمر اي صعود القوى غير الرسمية إلى صدارة النظام الدولي كان هو السمة الغالبة على العديد من الصراعات الدولية وكان هو الخلفية التي تقف وراء العديد من التطورات التي شهدها النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة وحتى الان وان مثلت احداث 11 سبتمر 2001 علامة فارقة في هذا الخصوص.
حيث ترسخ معها هذا الاتجاه واصبح احدى سمات النظام الدولي الجديد حيث رأى الكثير من المتخصصين في العلاقات الدولية ان هذا الخيار كان هو الوحيد المناسب للوقوف في وجه الهيمنة الاميركية على النظام الدولي وفي نفس الوقت حد بصورة واضحة من غلواء السياسة الاميركية المتطرفة في الهيمنة، وفي العمل لصالح قوى اقتصادية محدودة العدد خاصة في فترة ولاية الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش.
وحزب الله اللبناني يمثل نموذجا كاشفا من نماذح صعود القوى غير الرسمية في النظام الدولي، فهو لا يكتسب ايه صفة رسمية تعطي له الحق في رسم السياسات اللبنانية، ولكن على الرغم من ذلك نستطيع القول من دون مبالغة انه لعب الدور الاكبر في تحديد جدول الاعمال اللبناني في السنوات الخمس الأخيرة، بل وتخطى ذلك مؤخرا ليصبح هو الذي يحدد جدول الاعمال الإقليمي، خاصة مع قيامه بأسر جنديين اسرائيليين الاسبوع الفائت.
وبغض النظر عن صحة خطوته أو توقيتها الا ان ذلك لم يمنع من ان يصبح الحزب هو محط انظار العالم وقبلة العرب الساعين إلى نسيان الاحباطات الكثيرة التي نالتهم في السنوات الأخيرة خاصة مع الغزو الأميركي للعراق. وأصبح حزب الله اللبناني قوة إقليمية مؤثرة من دون ان تكون له ايه صفة رسمية ولايستبعد المرء ان تجرى مباحثات واتصالات بينه وبين دول أو قوى دولية ،من دون الاستناد إلى اية صفة تعطى له هذا الحق.
ومشكلة هذا الامر بالنسبة للقوى الكبرى الدولية مثل الولايات المتحدة أو الإقليمية مثل إسرائيل انها لا تجد مؤشرات على الارض تفيد بانها تنال من القوى غير الرسمية بسبب الطابع شبه السري الذي تعمل به وهو ما يعني في التحليل الأخير انها ليس لديها ما تخسره في الوقت الذي تستطيع فيه هذه القوى غير الرسمية ان تحدث خسائر قاصمة في الطرف المفروض نظريا انه الأقوى.
وهذا الأمر عادة ما تكون له تأثيرات سلبية على الجانب الرمزى للاطراف الاقوى بما يجعل المواجهة بين الطرفين وان كانت غير متكافئة الا انها لايمكن توقع ان يحقق اى من الاطراف انتصارا حقيقيا على الطرف الاخر. وتظل المواجهة مستمرة ويعاد انتاجها كل فترة زمنية وهذا الامر يظل قائما مادامت العدالة مفتقدة في النظام الدولي.
والمواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني هي نموذج واضح على ما نقول. فقد حطم الحزب الذي لا يمكن مقارنة قدراته بآلة الحرب الاسرائيلية اسطورة القوة الاسرائيلية، وحقق في نفس الوقت نصرا معنويا كبيرا على اسرائيل التي استخدمت قوتها الغاشمة بافراط من دون ان تحقق اية انتصارات محددة في مواجهة حزب الله اللهم الا اذا اعتبرنا ان قتلها العشوائى للمدنيين في لبنان يعد نيلا من حزب الله.
وهو الأمر الذي لابد وانه سوف يخضع لتحليلات ودراسات لأنه يعد الطفرة الثانية في مسيرة صعود القوى غير الرسمية كطرف فاعل في التطورات الدولية والإقليمية.
كاتب مصري
