بدا أن الموقف الأميركي تجاه العدوان الإسرائيلي على لبنان غير واضح ولا مفهوم، فالسياسة الأميركية التي رحبت بخروج سوريا من لبنان ودعمت ما يسمى (بثورة الأرز) وكسبت دوراً داخلياً في لبنان لاشك فيه، وبنت علاقات صداقة وتعاون وثيقة مع عديد من القوى السياسية اللبنانية، وأعلنت في كل مناسبة أنها تدعم الحكومة اللبنانية وسيادتها واستقلالها ومد نفوذها على جميع الأراضي اللبنانية، حتى صار السفير الأميركي في لبنان كأنه (المندوب السامي).

واعتقد جميع المراقبين والمحللين السياسيين والسياسيين القدامى والمحدثين أن السياسة الأميركية داعمة له في كل صغيرة وكبيرة وحامية للبنان، وافترضوا أن الدعم الأميركي المزعوم هذا لا يعود فقط لإضعاف الدور الإيراني والدور السوري (أو ما تسميه الحلف الإيراني السوري) وإنما أيضاً لأن لبنان مرشح ليكون نموذجاً للديمقراطية الأميركية في الشرق الأوسط وليعوض على السياسة الأميركية إخفاقاتها في العراق ومأزقها هناك وورطتها التي يبدو أن لا خلاص منها ومن نتائجها المرة.

وما إن بدأ العدوان الإسرائيلي على لبنان حتى فوجئ الجميع بالموقف الأميركي الداعم له وظهر كأنه عدوان أميركي بأدوات إسرائيلية، فقد وضعت السياسة الأميركية إمكاناتها كلها في سبيل استمرار العدوان ومنع وقف إطلاق النار أو التدخل لإقناع ربيبتها إسرائيل بتخفيف همجيتها وزودتها بالقنابل الذكية والعتاد الذي طلبته، واستخدمت نفوذها الدولي بأقصى ما استطاعت لإطالة أمد الحرب وترك الفرصة لإسرائيل لتدمير لبنان وتشريد شعبه.

وكأنها حرب أميركية خالصة لا عدوان إسرائيلي فقط، وبالإجمال كانت المفارقة كبيرة بين ما قاله الأميركان تجاه لبنان وما أبدوه من صداقة (وإشارات حماية) قبل العدوان، وبين التجاهل والاصطفاف الحماسي مع الجانب الآخر خلال العدوان.

بعد أن عجز الجيش الإسرائيلي عن التوغل في الأراضي اللبنانية ولاقى مقاومة وصموداً لم يحسب حسابها وربما لم يلاق مثلها من قبل، وأثبتت المقاومة اللبنانية أنها قادرة على إيقاف تقدمه البري، واستنفد أهدافه الأخرى المتمثلة في تدمير البنية التحتية اللبنانية وتقطيع أوصال لبنان، وتهديم جسوره وطرقه.

وقصف مطاراته وموانئه بطلعات طيرانه دون أن يستطيع احتلال أرض بعد الشريط الحدودي باستثناء موقع هنا ونقطة هناك ووقعت الحكومة الإسرائيلية في ورطة تنبئ باستحالة تحقيق أهدافها العسكرية بواسطة جيشها، أخذت تسعى لمكاسب سياسية ترضي فيها الداخل الإسرائيلي وتحاول أن تثبت أنها حققت شيئاً من عدوانها.

عند ذاك بدأت الآلة السياسية الأميركية تعمل هذه المرة للوصول إلى حل سياسي فكانت جولات وزيرة الخارجية وأعوانها المكوكية ثم الاتفاق على المشروع الفرنسي الأميركي ودعوة مجلس الأمن للانعقاد واتخاذ القرارات التي تحقق هذه الأهداف، وقدم المشروع الفرنسي الأميركي في الواقع لإسرائيل أكثر مما طلبت أو كانت تتوقع.

وهنا نعيد التساؤل من جديد ما هو سبب هذا الانقلاب الأميركي، وهل تخلت السياسة الأميركية عن تشكيل لبنان الذي نادت به أم هل غيرت موقفها تجاه الشرق الأوسط الكبير ونادت بالشرق الأوسط الجديد، وما هو مضمون هذا الشرق الأوسط، وعلى العموم ما هي السياسة الأميركية الجديدة؟

كانت الأهداف الأميركية المعلنة في لبنان قبل العدوان تقوية نفوذ الحكومة اللبنانية وتأمين سيطرتها على جميع الأراضي اللبنانية، وتجريد المقاومة من سلاحها، وكسر النفوذين الإيراني والسوري في لبنان، وتعزيز الوصاية الأميركية على هذا البلد، وقد أيدت الحوار بين اللبنانيين أملاً في تحقيق هذه الأهداف.

ويبدو وبعد أشهر من الحوار بين القوى اللبنانية أن الإدارة الأميركية اقتنعت بصعوبة إن لم يكن استحالة تحقيق المتحاورين هذه الأهداف، فلا هم قادرون على مد نفوذ الدولة اللبنانية حتى الحدود ولا على تجريد المقاومة من سلاحها ولا على تسريع خطوات أمركة لبنان، ولذلك باركت العدوان الإسرائيلي ليحقق هذه الأهداف، ويبدو أنها نجحت في ذلك.

يقبل الجميع الآن، الحكومة اللبنانية والدول العربية والشرعية الدولية انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود (مع قوات دولية هذه المرة)، وارتداد قوات المقاومة إلى ما وراء الليطاني (20 ـ 30 كم) بعيداً عن خط الحدود الأزرق (بما يعطل مفعول صواريخ الكاتيوشا)، وستصبح الدولة اللبنانية وحكومتها ذات نفوذ وقوة، ويتحول التعامل مع قوات المقاومة إلى قضية لبنانية، أي أن لبنان على أبواب تهيئة الشروط الموضوعية واقعياً وقانونياً وسياسياً وأخلاقياً التي تتيح القول إنه لم يعد هناك أي مبرر لتسلح المقاومة.

مادامت الحدود محمية بالجيش اللبناني (والقوات الدولية) وقضية مزارع شبعا في طريقها للحل إضافة لقضايا الأسرى والألغام وغيرها، وبذلك تنقلب مشكلة المقاومة من قضية ذات علاقة بالعدو الإسرائيلي إلى قضية لبنانية داخلية، وستجد المقاومة نفسها أمام أحد أمرين:

إما القبول بنزع سلاحها والتحول إلى حزب سياسي كغيره من الأحزاب اللبنانية الأخرى، أو رفض نزع السلاح وتعريض لبنان إلى حرب أهلية جديدة، وهكذا تنتقل المشكلة إلى مشكلة داخلية لبنانية صرفة وستضع الولايات المتحدة إمكاناتها جميعها الدبلوماسية والسياسية وعلاقاتها الدولية وتعاونها مع بعض القوى اللبنانية لهزيمة المقاومة وإلزامها على التحول إلى تنظيم سياسي محدود الإمكانات والفعالية.

وبذلك تكون قد حققت سياساتها التي قالت بها قبل عام ونصف وضمنت حماية إسرائيل من ضربات موجعة محتملة ووأدت ثقافة المقاومة التي بدأت تنتشر في البلدان العربية والإسلامية سواء سمتها إرهاباً أم أي اسم آخر، وإن صحت هذه الافتراضات يمكن القول أن الولايات المتحدة لم تغير أهدافها في لبنان والمنطقة وإنما غيرت أساليبها واستعجلت تنفيذ هذه الأهداف لحاجتها لهذا الاستعجال.

وربما يخطئ من يعتقد أنها غيرت أو خسرت، فما قررته هي الآن على أبواب الوصول إليه وما خسرته ستعوضه عندما ستجدد تحالفاتها وتؤمن للبنان مساعدات مالية واقتصادية وسياسية وتأكيد دور حكومته وتقوية هذه الحكومة.

بقيت ضرورة الإشارة إلى ربح استراتيجي أميركي إضافي كبير في منطقتنا نتيجة ما جرى، وهو إعادة المنطقة إلى سياسة الأحلاف وإثارة التناقضات، وسعي كل من هذه الأحلاف لإرضاء الإدارة الأميركية لتنتصر له ضد الآخر، أي أنها قلبت سلم الأولويات.

كاتب سوري