تاريخ الكيان الصهيوني مع العرب مليء بالمذابح على مدى أكثر من نصف قرن مضى، بداية بمذبحة دير ياسين عام 1948 وربما قبلها، وما بعدها مذابح قبية وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وقانا الأولى والثانية وجنين والقاع وحولة وغيرها الكثير، والبقية تأتي، وقد شهد التاريخ العديد من المذابح البشرية التي ارتكبتها دول وجماعات ضد شعوب بريئة، لكن المذابح الإسرائيلية ضد العرب تميزت عن كل المذابح البشرية الأخرى أنها لم يعقبها ولا مرة واحدة ندم أو اعتذار من قبل مرتكبيها.

بل على العكس سجل التاريخ الصهيوني الأسود مرتكبي هذه المذابح في صفحات بطولاته القومية رغم أن معظم ضحايا المذابح الصهيونية من العرب أو ربما جميعهم كانوا من المدنيين الأبرياء ومن النساء والأطفال والشيوخ، وبعض هذه المذابح مازال يحتفل الكيان الصهيوني بذكراها وكأنها مناسبات وطنية سعيدة تشهد على قوة وجبروت إسرائيل ضد أعدائها.

ورغم الإدانات الكثيرة من المجتمع الدولي للمذابح الإسرائيلية إلا أننا لم نسمع صوتا واحدا داخل إسرائيل يعتذر أو يشجب هذه المذابح، حتى دعاة السلام مع العرب من الإسرائيليين لم يصدر منهم ندم أو شجب واضح لهذه المذابح رغم بشاعتها وصورها الفاضحة التي يشهدها العالم كله.

ترى ماذا تعني هذه المذابح في العقيدة الصهيونية الإسرائيلية؟

ربما تعني هذه المذابح ضرورة إظهار القوة والجبروت والبطش الشديد من كيان صغير يشعر بالضآلة والقزمية أمام أمة عربية كبيرة تحيط به من كل الجهات، ويخشى أن تؤثر ضخامة عدوه وكثرة عدده على نفسية وروح أفراد شعبه الذي يعيش على أرض مغتصبة، فذهب يرتكب المذبحة تلو الأخرى مستغلا ضعف خصومه ونزعتهم السلمية وعقيدتهم التي لا تقبل ذبح الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ.

وربما تعني المذابح الإسرائيلية ردع العرب وإجبارهم على قبول كل ما تفرضه إسرائيل عليهم، وربما تعني أيضا كما في الحالة اللبنانية الحالية زرع الكراهية وإثارة العرب بعضهم على بعض وتحميل بعضهم البعض مسؤولية هذه المذابح لأنه أثار واستفز إسرائيل لترتكبها.

كل هذه المبررات وغيرها لا تنفي حقيقة مؤكدة مفادها أن العقيدة الصهيونية تبيح الدم العربي أيا كان وفي أي مكان، ويؤكد ذلك ما يلقنونه لأبنائهم في المدارس «من يقتل عربيا يدخل الجنة»، وحتى لو تحرك ضمير بعضهم ولم يقتنع بهذه المقولة فإنها في حد ذاتها تحضر إلى ذهنه لتخفف عنه عندما يشهد الضحايا المذبوحون من الأطفال والنساء العرب.

المذابح الإسرائيلية لا تعكس فقط الروح العدوانية والكراهية الشديدة المزروعة في العقلية الإسرائيلية للجنس العربي، بل تعني أيضا وبوضوح أن إسرائيل ليست صادقة في زعمها أنها تريد العيش في سلام مع جيرانها العرب، كيف يمكن أن تعيش أو تحلم بالعيش في سلام مع شعب قد شحنت ذاكرته بكل هذه المذابح، وكيف يمكن لكل مفاوضات ومعاهدات السلام وأشكال التطبيع أن تمحو من ذاكرة الشعوب كل هذه الصور البشعة لجثث وأشلاء الأطفال والنساء والشيوخ.

إنهم يزعمون أن النازيين أحرقوا وأبادوا منهم الملايين لكننا لم نسمع ولم نر اليهود يذبحون أو ينتقمون من ألمانياً واحداً رغم انتشار الجماعات والأحزاب النازية والفاشية في ألمانيا وخارجها، والتي ترفع شعارات تنادي بإبادة اليهود كلهم وليس فقط الإسرائيليين، أما العرب الذين يشهد التاريخ بكرمهم وسخائهم مع اليهود فقد أصبحوا الوحيدين في العقيدة الصهيونية الذين يستحقون الذبح والإبادة، ثم بعد ذلك يزعمون أنهم يريدون السلام، وللأسف الشديد أن هناك من يصدقون زعمهم هذا ليس فقط من الأجانب ولكن أيضا من العرب.

هذه المذابح الإسرائيلية المتكررة لن تتوقف، وسوف تستمر طالما استمر الصراع العربي الإسرائيلي، وسوف تؤكد وتثبت هذه المذابح الوحشية دائما وعلى مر السنين أن صراعنا مع إسرائيل ليس صراع حدود بل صراع وجود.

elmoghazy@hotmail.com