بعد شهر تقريباً من العدوان الصهيوني الأميركي المتواصل على لبنان، اجتمع وزراء الخارجية العرب في بيروت لإدانة العدوان ودعم خطة رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة المعروفة بخطة النقاط السبع لحل الأزمة، وتمخض الاجتماع عن تشكيل وفد ثلاثي للذهاب إلى الأمم المتحدة في محاولة لتعديل مشروع القرار الأميركي الفرنسي الذي هو أساساً مشروع إسرائيلي حاول أن يحقق عبر تمريره انتصاراً دبلوماسياً يعوض فشله العسكري المريع في ميدان القتال.

لن نتحدث هنا عن التبني الأميركي السافر للعدوان ودعمه بالأسلحة والتغطية الدبلوماسية ومنع مجلس الأمن من تبني أي قرار يوقف القتال حتى تحقق إسرائيل ولو نصراً جزئياً، ولن نتحدث عن التواطؤ الفرنسي المشارك في صياغة مشروع القرار والذي حاول لاحقاً تغطية تواطئه بالحديث عن تعديلات تراعي المطالب اللبنانية، ما يهمنا هنا هو التحرك العربي.

والسؤال الذي يطرحه كثيرون بغض النظر عما سينتهي إليه مشروع القرار هو إلى أي حد يملك العرب من أوراق تمكنهم من عرقلة مشروع القرار الإسرائيلي وعدم مكافأة العدوان على إخفاقه العسكري؟

نظرياً يملك العرب والمقصود هنا «العرب الرسميون» العديد من أوراق القوة التي تمكنهم من فرض وجهة نظرهم، بدءا من استدعاء الدول المطبعة لسفرائها من تل أبيب أو حتى من الولايات المتحدة مروراً بوقف العلاقات التجارية مع الكيان وأميركا وأوروبا نهاية بورقة النفط.

لكن على أرض الواقع فإن استخدام أي من هذه الأوراق يحتاج أولاً إلى توافر إرادة سياسية لدى النظام الرسمي العربي، ووجود درجة من استقلالية القرار بعيداً عن الضغط الأميركي، نهاية بتوافر إجماع أو شبه إجماع على دعم المقاومة اللبنانية البطلة المتصدية بمفردها لآلة الدمار الإسرائيلية.

ومن الواضح للجميع أن أياً من ذلك غير متوافر الآن لدى غالبية الحكومات العربية بل إن بعضها وفر نوعاً من الغطاء بطريقة أو بأخرى للعدوان الإسرائيلي في بدايته مراهناً على أن سحق حزب الله لن يستغرق أياماً ،لكنهم فوجئوا بصمود المقاومة وصلابتها، أضيف إليه دعم شعبي عربي غير مسبوق لهذه المقاومة دفع هذه الحكومات إلى عقد الاجتماع الطارئ في بيروت.

إذن فإن كل ما يملكه النظام الرسمي العربي في هذه المرحلة لا يتعدى حدود مناشدة واشنطن وباريس وتل أبيب لتعديل مشروع القرار الجائر، وفي ظل التشدد الأميركي الراهن ضد المقاومة العربية في كل مكان، والذي يبدو أكثر تطرفاً من بعض الأصوات الإسرائيلية أحياناً فلا شيء يرجى من المراهنة على هذه المناشدات.

لذلك فالسيناريوهات المطروحة حالياً، إما أن تواصل واشنطن تطرفها وإصرارها على مشروع القرار مراهنة على قدرة العدوان على احتلال أي مساحة أرض في الجنوب اللبناني تزرع فيها القوات الدولية، بحيث تتحول الأخيرة إلى حائط صد وفصل بين إسرائيل والمقاومة، أو تتحول حتى إلى دروع بشرية تتلقى ضربات المقاومة نيابة عن الإسرائيليين، حتى لو أدى ذلك إلى حرب أهلية لبنانية.

السيناريو الثاني أن تلجأ واشنطن وباريس إلى المراوغة ووضع تعديلات هامشية على مشروع القرار لا تنص صراحة على انسحاب إسرائيلي شامل من كامل الأراضي اللبنانية أو الانسحاب من مزارع شبعا، ومنع تل أبيب من تهديد لبنان مستقبلاً، وهذا السيناريو يبدو أقرب إلى التحقق، لأنه يضمن أولاً غطاء عربيا رسميا كاملا للاحتلال ويقيد من قدرة حزب الله على المناورة السياسية داخل لبنان.

السيناريو الثالث أن تواصل المقاومة صمودها الأسطوري وتستمر في إيلام الصهاينة سواء على صعيد المعارك في القرى الحدودية أو الاستمرار في قصف المستعمرات الصهيونية بالصواريخ، وأن تعلن أن أي جندي دولي في الجنوب اللبناني بدون الانسحاب الإسرائيلي الكامل واستعادة شبعا سوف يتحول إلى هدف للمقاومة، إذا تحقق هذا السيناريو فإن كل الألاعيب الإسرائيلية الأميركية سوف تسقط، ما يجعل تل أبيب وخلفها أميركا تسلم بالمطالب اللبنانية العادلة.

إذن الرهان على أي تحرك عربي رسمي ـ حتى لو حسنت نواياه ـ يشبه الحلم بالعثور على إبرة وسط كومة قش في ليلة ظلماء، الرهان الحقيقي الوحيد ينبغي أن يكون على المقاومة، وتشجيعها على الصمود بكل الوسائل الممكنة والمتاحة.

راهنا كثيراً على تحرك النظام العربي الرسمي وفي كل المرات كانت النتيجة فشلاً كارثياً، في نموذج العراق، انتهى الأمر باحتلال مدمر أدى إلى حرب أهلية فعلية لا يريد كثيرون الاعتراف بها، وفي فلسطين تآمر بعض العرب ضد الحكومة الشرعية المنتخبة، وفي لبنان رأينا بعض الأطراف العربية تتهم المقاومة بالمغامرة.

إذن لنجرب ولو لمرة واحدة الرهان على المقاومة، وعلى الشعوب، ففي كل الأحوال لن تكون النتيجة أسوأ مما نعيشه الآن، فالكرامة مع الخسارة العسكرية أفضل مليار مرة من الهزيمة والمذلة معاً.

emadiraqi@yahoo.com