اجتماع وزراء الخارجية العرب في لبنان الاثنين الماضي ينطوي على دلالات مهمة تتصل بسياق تطور الأحداث المرافقة لمجريات الحرب السادسة، واتجاهات التطور اللاحق لأوضاع المنطقة التي تواصل وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الإلحاح عن حق على اعتبارها مرحلة مخاض لولادة شرق أوسط جديد.

الاجتماع رغم تأخره كثيراً، ربما بما يفقده القدرة على التأثير في اتجاهات السياسة الدولية والإسرائيلية، أو يجعله صرخة عربية موحدة في وادٍ سحيق بعد أن اتفقت الولايات المتحدة وفرنسا على مشروع قرار في مجلس الأمن، لاقى أيضاً ترحيباً وموافقة من قبل روسيا، وبريطانيا، وألمانيا، وإسرائيل، ذلك الاجتماع يشير إلى جملة من الدلالات التي لا ترضي السياستين الأميركية والإسرائيلية.

ولا تتفق مع المواقف الابتدائية التي عبرت عنها بعض الدول العربية الأساسية في بداية اندلاع الحرب، وجعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت يتحدث حينها عن توافق بعض الدول العربية مع إسرائيل ضد المقاومة الإسلامية اللبنانية وأيضاً الفلسطينية.

وفي الأصل فإن تأخر الاجتماع العربي إلى هذا الوقت، أي خلال الأسبوع الرابع للحرب، كان قد شكل إشارة إضافية قوية على انقسام الرسميين العرب بشأن الموقف من مجريات وتداعيات الحرب، ونحو ترك لبنان وحيداً في ساحة مواجهة مصيرية عاتية.

إن الرسمية العربية لم تقرأ الأوضاع والمعطيات الميدانية بشكل جيد، وهي أخطأت تماماً مثلما فوجئت إسرائيل والولايات المتحدة والكثير من الأطراف بشأن تقدير قوة حزب الله، ومدى قدرة إسرائيل على تحقيق الانتصار.

ويبدو أن الكل بصفة عامة، كان لايزال واقعاً تحت تأثير نتائج الحروب العربية الإسرائيلية التي جعلت الجيش الإسرائيلي يتفاخر بأنه لا يُقهر وذلك بالرغم من أنّ حزب الله كان قد قهره وأرغمه على الانسحاب من جنوب لبنان في صيف عام 2000م.

قبل الرسميين العرب كانت بعض القوى الفاعلة في لبنان قد عبرت عن مواقف سلبية انتقادية تجاه حزب الله، الذي ورطهم حسب أراء هذا البعض في حرب لا لزوم لها لكنهم ما لبثوا أن ابتلعوا ألسنتهم، واصطفوا خلف موقف وطني موحد عبرت عنه حكومة فؤاد السنيورة، لا لأن إسرائيل خاضت حرباً وحشية مُدمرة ضد كل لبنان وإنما بسبب الصمود البطولي منقطع النظير الذي أبداه حزب الله.

ومثلما أرغمت السياسة الرسمية العربية على الحضور إلى بيروت رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر، والاتفاق جماعياً على دعم خطة رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة ذات النقاط السبع، فإن القوى اللبنانية كلها كانت قد اتفقت على تلك الخطة ربما لأنها أقرب من الرسمية العربية إلى الميدان، وبالرغم من أن العدوان الإسرائيلي حتى الآن لا يطال بشكل جدي عدداً من المناطق مثل الجبل وصيدا حتى بيروت، وبيروت الشرقية وكسروان، والمتن، وهي المناطق التي يسيطر عليها تحالف 14 مارس.

أمّا أسباب هذا التحول الذي قد يعكس نفسه على سياسات الحكومات العربية في لاحق الأيام، فقد عبّرَ عن بعضها بطريقة دبلوماسية وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني خلال لقاء قصير مع قناة الجزيرة مباشرة، وبعد انتهاء الاجتماع الوزاري العربي في بيروت وقبل توجهه ضمن وفد الترويكا العربي إلى نيويورك في محاولة لإدخال تعديلات على مشروع القرار الفرنسي الأميركي لمجلس الأمن.

حديث الوزير القطري الذي يُقال ان الطائرات الأميركية المحملة بالقنابل الذكية تنطلق من بلاده إلى إسرائيل تعرض إلى تأثير الإحباط والغضب الشعبي العربي الذي انفجر تأييداً لحزب الله، وإلى ازدواجية المعايير الدولية، والانحياز الأميركي لإسرائيل، وبدرجة شديدة الوضوح بما يحرج الدول العربية.

من المؤكد أيضاً أنه يمكن استخلاص عوامل أخرى لتفسير هذا التحول المتأخر في مواقف وسياسات الدول العربية، والأمر يتعلق أساساً بصمود حزب الله وقدرته على عرقلة تقدم الجيش الإسرائيلي وإلحاق خسائر فادحة بالقوات المعتدية، وبقدرة حزب الله على الردع، وتراجع قدرة الجيش الإسرائيلي على الردع والحسم، ومرور الكثير من الوقت على بدء العدوان دون أن تلوح بوادر نصر إسرائيلي قريب أو بعيد.

إن المبتدئين في السياسة لا يستطيعون تجاهل الوقائع الميدانية التي تشير حتى اللحظة الى أن إسرائيل لم تنتصر، والأرجح أنها لن تبلغ ذلك، وأن حزب الله لم يُهزم، بل يُمكن القول ومهما كانت النتائج ان المقاومة اللبنانية قد سجلت الكثير من الأهداف في المرمى الإسرائيلي، وأنها كسرت معادلات سابقة بما يفتح المجال واسعاً أمام معادلات جديدة في الصرّاع وخوض الحروب.

وحتى لو أن إسرائيل نجحت في دفع قواتها المعتدية إلى الليطاني في جنوب لبنان، فإن ما جرى من تقدم لهذه القوات على الأرض يقول ان الجيش الإسرائيلي يتوغل في الورطة كلما توغل في التقدم على الأرض، حيث أن القصف الإسرائيلي لا يزال ينصبُ على قرى وبلدات جنوبية، وفيها تدور وحولها معارك طاحنة، وتقدم إسرائيل خسائر فادحة رغم أن هذه القرى والبلدات يُفترض أنها تحت الاحتلال الإسرائيلي.

الوقائع تشير إلى أن إسرائيل قررت توسيع عملياتها البرية والقفز إلى الليطاني وهي تستطيع أن تفعل ذلك، وعلى أن تعود لاحقاً لتنظيف الجيوب التي تركتها خلفها مما يحمل المسؤولين الإسرائيليين على الاعتقاد بأن الأمر يحتاج إلى أسابيع، ذلك أن إسرائيل باتت تدرك تماماً أن المقاومة قد تحضرت جيداً لمثل هذا الخيار، وأنها تجد في هذا التوسع والانتشار ضالتها لإظهار فعاليتها وقدرتها على إنزال خسائر فادحة بالجيش الإسرائيلي، الذي يبدو كأنه يواجه أشباحاً.

هذا هو العامل الأساسي الذي أرغم المعارضين من اللبنانيين والرسميين العرب إلى التراجع والبحث عن مخارج نحو التوافق مع الإطار السياسي الذي تطرحه المقاومة وتنسجم معه وتعبر عنه نقاط السنيورة السبع، وبالتالي فإن الحكومات العربية باتت مضطرة لأخذ اتجاهات الجماهير في الاعتبار.

وفيما يصر الرئيس الأميركي بوش على التمسك بمشروع القرار الأميركي الفرنسي لمجلس الأمن رغم تفهمه كما يقول للاعتراض اللبناني، فإن الوضع الميداني على الأرض هو الذي جعل من الممكن توحيد مواقف اللبنانيين والعرب، وأيضاً القمة الإسلامية التي انعقدت يوم 8 مارس بعد مجزرة قانا الثانية في العاصمة الماليزية.

والوضع الميداني أيضاً هو الذي جعل روسيا تتراجع عن موقفها من مشروع القرار الفرنسي الأميركي، فبعد أن نصحت لبنان والعرب بقراءة المشروع بطريقة إيجابية ما يعني أن موسكو موافقة عليه، عادت بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب لتعلن أنها لن تدعم قراراً لمجلس الأمن غير ذي جدوى للحكومة اللبنانية.

وأيضاً الوضع الميداني هو الذي أرغم مندوب فرنسا في الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن على طلب تأجيل مناقشة المشروع حتى يتسنى تعديله، الأمر الذي أحدث خلافاً بين فرنسا وأميركا.

إسرائيل بدورها ورغم مواصلة التهديد بتوسيع عملياتها البرية، ورغم تصعيدها العدوان والقصف، اضطرت إلى التراجع عن مسلسل الأهداف التي وضعتها بحيث يكتفي رئيس الحكومة ايهود أولمرت بهدف واحد وهو تقليص قدرة صواريخ حزب الله على تهديد إسرائيل فيما لم يجد رئيس الدولة كتساف خلال مؤتمرهما الصحافي المشترك يوم الثلاثاء الماضي سوى بعض القصص عن بطولات فردية بعد أن فقد القدرة على الحديث عن انتصارات كُبرى أو صغرى.

أما قرار الحكومة اللبنانية الذي تلى اجتماع وزراء الخارجية وأبدى استعداد لبنان لنشر قوة من الجيش اللبناني قوامها 15 ألف جندي في الجنوب، فإنه شكل خطوة إضافية محرجة لإسرائيل ومناصريها. في كل الأحوال ومهما كانت النتائج والقرارات فإن ما يجري على الأرض قد أخذ يفرض على صعيد المنطقة معادلات جديدة تماماً، بالتأكيد تتعارض مع ما تريده واشنطن وتل أبيب.

لقد أربك التوافق اللبناني، والتوافق العربي الرسمي، والتوافق الشعبي العربي، أربك هذا التوافق المخططات الأميركية الإسرائيلية، ممّا يؤكد الحاجة لإعادة بناء العلاقات العربية ـ العربية والتضامن العربي في مواجهة القضايا والاستحقاقات القومية، بالإضافة إلى أننا قد نشهد مرحلة يحرص فيها الزعماء العرب على الإصغاء لصوت الرأي العام العربي، هذا الرأي العام الذي لم يعد يقبل المزيد من الارتهان والتخاذل الذي تتسم به السياسة الرسمية العربية.

كاتب فلسطيني