في الوقت الذي تشتعل فيه أزمة النووي الإيراني، وتتبادل طهران مع واشنطن والغرب الاتهامات، وتدخل تل أبيب على الخط بتهديداتها المباشرة بقصف المواقع النووية الإيرانية، وفي الوقت الذي تتعالى فيه استنكارات العديد من الجهات الدولية لتصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول إسرائيل ومحارق النازيين لليهود، في ظل هذا الغليان قامت موسكو بتوقيع اتفاقية مع طهران في مطلع ديسمبر الماضي تقضي بتزويد روسيا لإيران بعدد 29 منظومة صواريخ من طراز«تور- M1» في صفقة قيمتها تزيد على 700 مليون دولار.
وليست هذه هي صفقة السلاح الروسية الوحيدة لإيران حتى الآن، وإن كانت هي الأكبر في نوعيتها وقيمتها منذ عام 2000 عندما قررت روسيا بعد تولي الرئيس بوتين الحكم في الكريملين الانسحاب من الاتفاق الثنائي مع واشنطن الموقع في عام 1995، والمسمى باتفاق «آل جور ـ تشيرنوميردين» والذي كان يقضي بامتناع روسيا تماما عن التعاون العسكري مع إيران، ولكن موسكو التي رأت أنها لم تحصل على شيء من واشنطن مقابل هذا الاتفاق عادت لتعاونها العسكري مع إيران.
وباعت لها أسلحة حتى عام 2003 بما تتعدى قيمته نصف مليار دولار ،هذا بخلاف التعاون التقني والفني العسكري بين البلدين والذي لم تعلن تفاصيله بعد، وإن كانت مصادر كثيرة تؤكد وجود قوات روسية تتولى حماية المحطات النووية في إيران،وهو ما كتبت عنه صحيفة صنداى تايم البريطانية في منتصف ديسمبر تقول إنها تلقت معلومات من مصادر أمنية إسرائيلية تفيد بأن إسرائيل تنوي قصف المحطات النووية الإيرانية رغم علمها بوجود الآلاف من الفنيين والعسكريين الروس فيها .
صفقة الصواريخ الروسية الأخيرة لإيران تطرح بجدية سؤال التوازن الأمني في منطقة الخليج العربي، حيث من الواضح أن روسيا مصممة على تقديم الدعم العسكري لإيران بالشكل الذي ربما قد يرى البعض، وخاصة في واشنطن، أنه يخل بشكل كبير بأمن المنطقة.
ويجعل من إيران قوة عسكرية ونووية متميزة ومؤثرة على جيرانها، خاصة وأن المعلومات الواردة من الغرب تفيد بأن إيران طلبت من روسيا تزويدها بمنظومة صواريخ «إس -300» المضادة للصواريخ والطائرات معا، وإن كانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت أن هذه المنظومة من الصواريخ ليست للتصدير وأن إنتاجها منها قاصر على استخدام الجيش الروسي فقط، ولكن واشنطن تقول إن التعاون العسكري الروسي مع إيران يتم معظمه في الخفاء مثل ما حدث في صفقة الصواريخ الأخيرة «تور- 1M» التي لم يعلن عنها إلا بعد تمامها .
ما يهم العرب في هذه القضية هو الموقف الروسي نفسه وليس الموقف الإيراني الذي يتسم في أحيان كثيرة بالشعارات والتصريحات الرنانة، وفي قضية السلاح بالتحديد نجد أن روسيا قد أصبحت خلال الأعوام الأربعة الماضية من أكبر مصدري السلاح في العالم، وذلك بعد الطفرة الهائلة في أسعار النفط ومصادر الطاقة، والتي ساعدت روسيا إلى حد كبير في دعم مجمعها الصناعي الحربي الذي استعاد توازنه وفاعليته ودخل في عام 2003 في مرحلة تطوير وتحديث هائلة جعلت التكنولوجيا العسكرية الروسية منافسا قويا لنظيرتها الغربية في الأسواق العالمية .
ولكن السؤال المهم هنا هو : هل تتعامل روسيا مع السلاح فقط كتجارة تدر لها عائداً وربحاً وفيراً بغض النظر عن أية أهداف سياسية أو إستراتيجية؟
لقد صرح الرئيس الروسي بوتين في لقائه مع قادة أجهزة الأمن والدفاع الروسيين قائلاً: «نحن لسنا تجار سلاح نبيعه لمن يريد، وتجارة السلاح لدينا مرتبطة بتوجهات سياستنا الخارجية والتزاماتنا الدولية، وتتم بالتنسيق التام بين وزارتي الخارجية والدفاع معا»، هذه هي الحقيقة، إن روسيا تأخذ بعين الاعتبار التوازن الإقليمي عند تصديرها للسلاح، وتسعى لعدم الإخلال بهذا التوازن لحساب طرف على الطرف الآخر حتى ولو كان من أصدقائها، ورغم أن سوق الشرق الأوسط هي الأكثر إغراء إلا أن روسيا تضع حدودا لمبيعاتها من السلاح لدول المنطقة لا يمكن أن تتجاوزها.
وذلك حفاظا على الأمن والاستقرار والتوازن، وذلك لأن روسيا الآن ليست لها أية أعداء في هذه المنطقة وليس لها أيضا حلفاء رئيسيون فيها، ولهذا رفضت أن تبيع لسوريا وإيران منظومة الصواريخ (إس-300) حتى لا تعطيهما تفوقا على دول المنطقة.
أيا كانت التصريحات من الروس مطمئنة سواء بالنسبة للتعاون العسكري أو النووي مع إيران، إلا أنها لا تكفي على الإطلاق ولا تعطي ضمانات حقيقية وواقعية لاستقرار الأوضاع الأمنية في منطقة الخليج العربي، خاصة في ظل التهديدات المستمرة من إسرائيل وواشنطن لإيران، وفي ظل التصعيد الحاد في التصريحات من الجانب الإيراني.
كما أنه علينا أن نعي جيدا مدى أهمية إيران بالنسبة لروسيا وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتقلص دور موسكو الدولي بشكل ملحوظ، في الوقت الذي تعاني فيه روسيا من مشكلات كثيرة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي تهددها موجة الثورات الملونة، الأمر الذي جعل روسيا تستشعر الخطر المحدق بها ومحاولة حلف شمال الأطلسي ( الناتو) محاصرتها داخل حدودها، الأمر الذي يدفع روسيا إلى البحث عن حلفاء أقوياء في المنطقة يدعمون طموحاتها وتطلعاتها للعودة لممارسة دورها الفعال على الساحة الدولية .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن روسيا قد سبق لها أن طرحت في عام 2001 منظومة للأمن في الخليج أطلقت عليها «منظومة الثمانية» لتضم دول مجلس التعاون الست وإيران والعراق، واقترحت روسيا أن تنضم هي والولايات المتحدة لهذه المنظومة للسعي لحل الخلافات بين دول المنطقة وجعل منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل، ولكن هذه المبادرة الروسية لم تر النور بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان أميركا حملتها على الإرهاب.
والآن.. ومع تطورات الأحداث في العراق وما جلبته الحملة الأميركية على الإرهاب من غضب عارم على الساحة الدولية تجاه سياسات الإدارة الأميركية، هذا الغضب الذي بدأت تداعياته تظهر بوضوح على الساحة الداخلية في الولايات المتحدة.
عادت روسيا لتبحث عن دور لها فعال ومؤثر في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي منطقة الخليج بالتحديد الأمر الذي يتعين معه على دول الخليج العربي التعامل مع الواقع الحالي في المنطقة بكثير من الموضوعية في حساب موازين القوى ومراعاة نمو الدور الروسي في المنطقة، والسعي الجاد لتفعيل هذا الدور لصالح العرب وقضاياهم بشكل عام ولصالح أمن واستقرار منطقة الخليج العربي بشكل خاص.
خاصة وأنه لا يخفى على أحد مدى دعم روسيا للقضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ووقوفها إلى جانب سوريا في مجلس الأمن الدولي مؤخرا للحيلولة دون توقيع عقوبات دولية عليها، إلى جانب الاهتمام الملحوظ من جانب روسيا بدول الخليج وسعيها الدائم لبناء علاقات وطيدة معها جميعا في إطار من المصالح المشتركة وبعيدا عن الأيديولوجيات القديمة.
جامعة سيبيريا
