يدخل قاعة المحاضرات ببزته الرمادية وربطة عنقه الزهرية اللون ليحيي الحضور ويعرف بنفسه ثم يقول: «قد تظنون أنني هنا لأعلمكم، إلا أنني هنا لأتعلم منكم! صحيح أنني سأعلمكم بعض الأشياء المهمة في مجال الإدارة، إلا أنني لا أعرف شيئاً عن بلدكم أو إقليمكم وهذا ما دفعني إلى الإصرار على عقد هذه الدورة، فأنا متشوق جداً لأعرف المزيد عنكم».

ومن خلال التمارين التي يدربنا عليها يعرض علينا حالة «case study» لنناقشها في الفصل ثم نقترح حلولاً لها كجزء من أساليب التدريس الحديثة، إلا أن هذه الحالة كانت عبارة عن استعراض لبعض السياسات التي أقدمت عليها حكومة إحدى الولايات الأميركية للحد من المشاكل الأسرية في تلك الولاية! وبطبيعة الحال لم تتناسب أي من حلولنا «العربية» مع تلك المشاكل، وفي الحقيقة لم نفهم مسببات تلك المشاكل الأسرية ولم نفهم كيف تم حلها، والحق أقول لكم إننا لم نفهم لماذا يدرسوننا هذه الحالات التي تبعد عنا ظروفها وأحداثها وتناسبها مع خصائص الحياة عندنا أكثر من 12 ألف كيلومتر!

هذا هو حالنا عندما نحضر دورات في علوم الإدارة لمدربين أو أساتذة من مختلف بلاد العالم جاؤوا إلى «الشرق الأوسط» لأول مرة، فيقضون معظم أوقات الاستراحة التي تكون بين المحاضرات - وهي أوقات الأسئلة الجانبية - في السؤال عن دبي والإمارات وما هي مراكز التسوق التي يمكنهم زيارتها، وهل فعلاً يوجد في دبي أكبر منحدر جليدي مغطى في العالم؟ وهل فعلاً يمكن للإنسان رؤية جزر النخلة من الفضاء الخارجي! وغير ذلك من الأمور التي لا تعني إلا السياح والمستثمرين.

لماذا لا تكون لدينا خبرات وطنية وخبراء مواطنون أو عرب يدرسوننا هذه العلوم الإدارية ويقدمون لمؤسساتنا استشارات كتلك التي يقدمها الخبراء الأجانب؟ لقد توصلنا في دبي من خلال التجربة إلى أننا استطعنا في العديد من المشاريع الحكومية أن نقوم بنفس الأعمال التي يقوم بها هؤلاء المستشارون بنسبة لا تقل عن 80% وبتكلفة تقل عن 30% من أتعابها، وما تبقى نستعين عليه بالخبرات العالمية التي لا ننكر فضلها وخبرتها التي استعنا بها في حدود حاجتنا فقط، وأثبتنا أننا اليوم نمتلك من الخبرات في المجالات الإدارية ما لا يجب أن نستهين به أو نغفل عن توظيفه لخدمة مشاريعنا التنموية.

إن نقل الخبرات إلى مجتمعنا وتعزيز الخبرات الموجودة فيه أصبح ضرورة حتمية إن أردنا أن نستمر بنجاحاتنا وتميزنا بين دول المنطقة ومدن العالم، فعندما أرادت الحكومة السنغافورية أن تضع سياسة للعلوم والتكنولوجيا في الستينات من القرن المنصرم كان همها الأول هو كيفية نقل العلوم والتكنولوجيا إلى سنغافورة وليس استيرادها فقط، فقامت الحكومة بإعطاء الشركات العالمية العاملة في هذا المجال مميزات عالية كإعفائها من الضرائب ورسوم التأسيس وتخفيض الرسوم الحكومية قدر المستطاع لتشجيعها على الاستثمار في سنغافورة وجعلها أحد منابر التكنولوجيا في قارة آسيا.

وفي مقابل ذلك ألزمت الحكومة تلك الشركات بعدة أمور كان أهمها أن يتم استقطاب العقول المتميزة قدر المستطاع، وأن يتم تعيين السنغافوريين في درجات وظيفية معينة ليكونوا قريبين من صناع القرار والعقول المدبرة في تلك الشركات، وأن تلتزم الشركات بإرسال أصحاب تلك المناصب من السنغافوريين إلى أفرعها الرئيسية - التي كان أكثرها في أميركا - ليعملوا بها مدة ستة أشهر على الأقل .

وبالتالي يتعرفون على ثقافة العمل الغربي ويأخذون الخبرة من منابعها، والأهم من كل هذا اتفقت الحكومة مع هذه الشركات على إنشاء مراكز أبحاث وتطوير في سنغافورة تقوم من خلالها بتطوير منتجاتها وخدماتها من خلال الأبحاث العلمية التي حرصت الحكومة على أن ينخرط السنغافوريون فيها.

وبسبب هذه المبادرات وغيرها تمكنت سنغافورة من نقل هذه العلوم - وإن لم يكن نقلاً كاملاً - إلى الشرق واستطاعت أن تعيد تصديرها إلى دول الأقاليم المجاورة ولكن من خلال خبرات سنغافورية، أي استطاعت الحكومة أن ترسخ قاعدة علمية عريضة أصبحت اليوم ثقافة يتحلى بها جميع السنغافوريين بمن فيهم الطلبة الذين يتصدرون في كل دورة نتائج اختبارات الرياضيات والعلوم العالمية TIMSS.

لقد قطعنا شوطاً لا بأس به في مجالات حكومية متميزة كالحكومة الإلكترونية وتطبيق معايير الجودة في العمل الحكومي وتنمية الموارد البشرية، وتمكنا بفضل الله تعالى من إعداد خبراء في كل مجال من هذه المجالات فلماذا إذن لا نطعم خبرات هؤلاء ببعض الدراسات التخصصية التي تمكنهم من تقديم خدمات استشارية للمؤسسات الحكومية وشركات القطاع الخاص على صعيد الدولة ودول الشرق الأوسط على حد سواء؟

ولماذا لا تكون لدينا إلى جانب برامج إعداد القادة التي تميزت بها دبي على مستوى العالم برامج لهؤلاء «الخبراء» الذين يشكلون عصب اقتصاد اليوم واقتصاد المستقبل؟ ولماذا لا يشارك القطاع الخاص الذي تمكن بفضل التسهيلات التي توفرها له الحكومة في الدولة من الحصول على موطئ قدم في إقليم الشرق الأوسط والأقاليم المجاورة في هذه المسيرة التنموية؟

إن معظم الشركات العالمية التي لها أفرع في الدولة تستخدم البنية التحتية المتوفرة لها «لتسويق» منتجاتها ليس إلا دون أن تستثمر في مجالات التصنيع أو البحث والتطوير، لذلك علينا ألا نستغرب إذا حزمت هذه الشركات حقائبها وانتقلت إلى دول أخرى في حال حصولها على أسعار أرخص لمكاتبها وفواتير هواتفها.

إلا أن الفرصة ما زالت سانحة لاستقطاب مراكز البحث والتطوير التابعة لهذه الشركات إلى الدولة واخراط المواطنين فيها لترسيخ هذه العلوم في المجتمع ولرفع نسبة المتخصصين من المواطنين في مختلف المجالات الحيوية التي تصب في مصلحة الاقتصاد، وإذا كنا نعاني اليوم من مشكلة التوطين فأخشى أن نعاني في المستقبل من الأمية مرة أخرى ولكن أمية من نوع جديد في زمن تحققت فيه مقولة «قيمة المرء ما يحسنه».

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com