شهدت منطقة الشرق الأوسط، منذ فترة سحيقة في القدم، ولادة ونمو وهرم وموت حضارات عديدة تركت الكثير من بصماتها بوضوح شديد حتى الآن، كما شهدت أحداثاً جساماً صنعت أوضاعاً قلقة متحركة و تأريخاً ثرياً لا تزال معالمه قائمة تتحكم بعض مفاتيحه في أحداث الحاضر، على مختلف المستويات، بقوة وعنفوان كأنها بِنت لحظتها. بعض هذه الأحداث نابع من جذور متأصلة في المنطقة نفسها بسبب التباين في الثقافات والعادات والتباين في المصالح.

وبعضها بفعل عوامل خارجية فُرض على المنطقة أن تتحمل نتائجها بسبب الثروة النفطية الموجودة في أراضيها ومياهها، وبسبب موقعها الجغرافي المتميز حيث تلتقي القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا، وحيث توجد أهم الممرات المائية التي تمخر في عبابها خطوط التجارة الدولية.

إذ لم يعد الوجود الأجنبي في المنطقة يقتصر على قواعد عسكرية منعزلة تقع خارج المدن تجنباً لاستفزاز المشاعر الوطنية في الدولة التي توجد فيها، وإنما أصبحت القوات الأجنبية تجوب الشوارع وترتاد المرافق العامة في مختلف المدن، كما يحدث في أفغانستان والعراق وفلسطين، حيث يقوم بعض منتسبيها بشتى أنواع الانتهاكات متمتعين بحصانة عدم مسؤوليتهم أمام سلطات البلد الذي يوجدون فيه.

لم يحدث في التأريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط أن مرت بفترة مشابهة أو قريبة بما يجري الآن، حيث تزخر ساحاتها بأحداث ساخنة جسام وأخرى مرشحة لتكون كذلك. ورغم أن هذه الأحداث تبدو لأول وهلة غير مترابطة مع بعضها إلا أنها ليست في الحقيقية كذلك، فهي ترسم صورة ديناميكية لمستقبل منطقة تساهم في صناعة الأحداث في العالم ولكن بقرارات ليست من لدنها بالدرجة الأولى، فأبرز ما يجري:

1. الملف الأفغاني الذي لا يزال مشرعاً رغم مرور خمس سنوات على احتلال أفغانستان، فقد شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في العمليات المسلحة التي تستهدف الوجود الأميركي والقوات الحكومية، كما نُفذت بعض الأعمال الانتحارية.

2. الملف النووي الإيراني الذي يمتد عمره لما يزيد على الثلاث سنوات شهدت مواقف مختلفة متناقضة تتراوح بين أخذ ورد وبين تهدئة وتصعيد واتهامات متبادلة وتفاؤلات وتشاؤمات، وقد انتقل مؤخرا من طور دبلوماسية الهراوة الغليظة التي تعتمدها الولايات المتحدة، إلى طور الغزل بكيس من الهدايا ساهمت في تقديمه أوروبا وشاركت الولايات المتحدة، على حياء، في وضع المزيد من المُقبِلات فيه.

تدحرج بعد تردد طويل صوب مجلس الأمن الدولي الذي قرر منح إيران فرصة، قد تكون الأخيرة، حتى نهاية أغسطس الحالي لمراجعة موقفها والتوقف عن تخصيب اليورانيوم وسط إصرار إيراني على عدم التفريط بما تعتبره حقاً تسمح به القوانين الدولية. وسيكون في مقدور مجلس الأمن فرض بعض العقوبات على إيران بعد ان استنفدت جميع القنوات والفرص الدبلوماسية.

3. الملف العراقي الذي يزداد سخونة وخطورة مع الأيام وسط توقعات متضاربة يشوب البعض منها تفاؤلات حذرة بقرب انفراج ضائقته بعد أن بادرت الحكومة العراقية بعرض مبادرة المصالحة الوطنية واتخذت بعض الخطوات التي تدل على حسن النية في تطبيقها، وتكهنات مضادة بسخونة أكثر وسط أجواء الصيف الحار في العاصمة العراقية التي تشهد شوارعها قضايا خطيرة، لعل أبرزها تزايد عدد القتلى بفعل تصعيد عمليات الغدر المتبادل والمنبعث من مستنقع الطائفية النتن، الذي صنعته قيادات ظلامية فرضت أجندتها على الشارع العراقي بسبب ضعف الدولة وسيطرة المليشيات.

مما دفع إلى توقعات في غاية الخطورة وردت في التقرير الذي بعثه السفير البريطاني في العراق إلى حكومته و الذي أشار فيه إلى أن احتمالية تقسيم العراق أكبر من احتمالية نجاح العملية السياسية فيه، وقد عزز هذا الاستنتاج ما ذهب إليه الجنرال جون أبوزيد القائد العام للقوات المركزية الأميركية في جلسة استماع أمام الكونغرس الأميركي.

(4) ـ الملف الفلسطيني الذي بقي مفتوحاً منذ ما يزيد على نصف قرن، خبت أهميته تدريجياً ليصبح موضع اهتمام أهله فقط تقريباً بعد أن كان موضع اهتمام العالم العربي برمته وأحد أهم عناصر تحريك شارعه السياسي، فقد انخفض سقف المطالب الفلسطينية إلى أدنى حد، واستبيحت المؤسسات الفلسطينية المنتخبة بشكل مريع وصل إلى قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال عدد من الوزراء وعشرات الأعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني كان آخرهم اعتقال رئيس المجلس نفسه الذي هو بمثابة الرمز الشرعي للفلسطينيين والقيام بتعذيبه، في استعراض فاضح لانتهاكات لم تعرف في السابق للأعراف السياسية ولحقوق الإنسان وسط صمت عربي وعالمي.

5. الملف اللبناني الذي برز إلى الصدارة في الأسابيع الأخيرة إثر اندلاع حرب غير متكافئة بين إسرائيل وحزب الله تضاربت المواقف بشأنها من منطلق رؤى مختلفة أو مصالح متباينة في الوقت الذي يسحق فيه لبنان ويحترق ويقف العالم متفرجاً، ويدفع شعب لبنان ضريبة النزاعات الإقليمية التي تخلى عنها الكبار ليصبح ضحية يزج بها نيابة عن الآخرين.

6. ملف الإرهاب الذي تحرص الإدارة الأميركية على تحميل مسؤولية فتحه لمنطقة الشرق الأوسط، فمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أُعلن عنه لأول مرة من قبل كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق في ربيع عام 2002 يهدف إلى إعادة رسم خرائط هذه المنطقة تحت ستار ضمان أمن العالم والقضاء على الإرهاب وإرساء قواعد لحريات وديمقراطيات جديدة لشعوب المنطقة.

وفي خضم هذه الأحداث، وفي ضوء توقع المزيد من الانزلاق نحو أوضاع أكثر خطورة، شهدت أسواق الأسهم تراجعاً لم تشهده في تأريخها فقد بلغت الخسائر أرقاماً فلكية في معظم دول المنطقة وأصبحت هذه الأسواق مصدر قلق على مستقبل اقتصادها وعلى مستقبل الاستثمارات التي تسعى بعضها جاهدة لجلبها. كما جلبت هذه الأوضاع المتفجرة ارتفاعا كبيراً في أسعار النفط مما أرهق كثيراً كاهل الدول المستوردة وأدى إلى تضخم حسابات الدول المصدرة.

فقد شهدت أسواقه ارتفاعات لم تشهدها في السابق مع توقعات بمزيد من الارتفاع مع زيادة الأزمات في المنطقة ومع زيادة الطلب العالمي على النفط، علماً بأننا لا نزال في فصل الصيف. فهنالك قلق في أسواق النفط من أن يتسع نطاق الحرب الدائرة في لبنان ليشمل دولاً أخرى منتجة للنفط مثل سوريا وإيران حليفا حزب الله اللبناني مما قد يعطل الصادرات.

ليس من المتوقع أن تُعالج هذه الملفات بروية وحنكة، فمعظم دول المنطقة مغيبٌ عن صناعة قراراتها واللاعب الرئيسي في الساحة هي الولايات المتحدة التي أسهمت إدارتها الحالية المغامرة في دفع المنطقة إلى هذا الوضع المرشح للإنزلاق إلى المزيد من الخطورة.

خاصة وأن الأجواء العامة، تُشجع وقد تُرغم، دولاً عديدة على الدخول في سباق تسلح يستنزف ثرواتها. فالدول التي تتحكم بتجارة السلاح في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لها من النفوذ السياسي ما يجعلها قادرة على دفع منطقة الشرق الأوسط نحو هاوية سحيقة مستفيدة من التناقضات الشديدة بين من ينتمون عرقياً إلى جذر واحد أو فكرياً إلى عقيدة واحدة.

وتأتي هذه التوقعات في ضوء توافر السيولة النقدية الضخمة لدى العديد من دول المنطقة التي جلبتها أسعار النفط المرتفعة، والتي تُنجز في حالة توظيفها في خطط التنمية طفرة كبيرة في سلم التطور، وهو ما ليس في مصلحة من يخطط للشرق الأوسط الجديد أو الشرق الأوسط الكبير.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae