لا يختلف اثنان على أن إسرائيل تحاول كعادتها أن تأخذ بالمفاوضات والسياسة ما لم تستطع أن تأخذه بالحرب والمعارك الميدانية في المواجهة المفتوحة منذ حوالي الشهر في لبنان مدعومة بالغطاء الدولي الذي لم يتأمن لها منذ قيامها حسب زعم رئيس حكومتها أولمرت الطامح لكي يحجز لنفسه مقعداً وثيراً بين رؤساء وقادة هذه الدولة وأن يكون أحد صانعي تاريخها إلى جانب بن غوريون وبيغن وشارون وغولدامائير واشكول ورابين.

خصوصاً أن الرجل لا يحمل تاريخاً عسكرياً يعتز به ولا يحمل النياشين، وهو يريد أن يتجاوز أقرانه المدنيين الذين سبقوه مثل نتانياهو وشمعون بيريز اللذين جربا حظوظهما من قبل في لبنان وخرجا منه مهزومين مدحورين ،فالأول جرب كل حلوله التدميرية التي أجهزت على البنية التحتية برمتها، أما الثاني ما زالت دماء ضحايا مجزرة قانا وأطفالها ونساؤها حية تصرخ في وجهه صباح كل يوم .

إذاً تحاول إسرائيل بالمجازر اليومية أن تضغط كل يوم على لبنان لكي يقبل بشروطها التعجيزية وتدمر بآلتها الوحشية المؤسسات المدنية والصناعية والاقتصادية والتربوية والطبية لا لشيء وإنما بهدف إركاع هذا الشعب الذي يرفض الإذعان ، والملفت أنها لم توفر منطقة عن أخرى بل أصابت البلد بالمعاناة والتدمير.

بعد ثلاثين يوماً من الصمود الأسطوري وبعد هذا التدمير المرعب للبشر والحجر تحركت المساعي الدبلوماسية على وقع المأساة ترسم حلولاً اقل ما يقال فيها إنها حلول إذعان وتجاوز لدم الأطفال وتكريم للمجرم على جرائمه فيما الضحية غارقة في دمها .

لا أحد يصدق أن اختطاف جنديين إسرائيليين هو المبرر المنطقي لتدمير بلد بأسره وإبادة شعب بكامله بلا رحمة ولكن ما لا يصدق أن يقف المجتمع الدولي بكل صلف إلى جانب المعتدي معطياً له المبررات لكي يكمل تدمير لبنان البلد الجميل ويحوله باسم الديمقراطية وتأسيس الشرق الأوسط الجديد وتحت شعار الدفاع عن النفس إلى خراب .

المطلوب بعد كل هذه التضحيات أن تتوقف كل المساعي لقبول الحلول المطروحة التي تفرط بالتضحيات الغالية التي بذلت حتى الآن والعمل على التمسك بالثوابت ووحدة الصف التي تجلت حالياً بالالتفاف الشعبي لاحتضان النازحين والمهجرين من منازلهم وقراهم هرباً من الإرهاب الإسرائيلي الوحشي .

لا أحد من اللبنانيين يقبل كلام الضابط الإسرائيلي الذي يتباهى بأن جيشه حول لبنان من باريس الشرق إلى غزة الشرق بالرغم من أن غزة الأبية الصامدة الصابرة هي منارة لكل الشرفاء بجهادها اليومي، ولكن هذا الضابط قصد القول إن لبنان الذي يتمرد على الإرادة الصهيونية لن يقبل له أن يكون بلداً آمناً وتسوده البحبوحة ومهرجانات الفرح .

يذهب أحد الدبلوماسيين إلى الاستنتاج انه لا يوجد مستحيلات أمام الدبلوماسية وإذا وجدت فإن عليها واجب ابتكار وابتداع الحلول العبقرية التي تضمن وقف أصوات المدافع عن القتل وإطفاء أصوات الطائرات التي تعبث بكل معالم الحياة وإرساء قواعد السلام. هذا الكلام ربما يكون صحيحاً و شاعرياً ولكنه لا يصلح في الحالة اللبنانية أوالفلسطينية حيث الناس والأطفال هم الضحايا الحقيقيون للعنف والموت والوحشية التي تشنها إسرائيل على الشعبين بضراوة وشراسة قل نظيرهما ولهذا لا ينبغي القبول بالدبلوماسية المطبقة في الحالة اللبنانية حيث أعطت إسرائيل أكثر ما تريد.

حرام أن تذهب دماء هذه الأطفال هباءً، وحرام أن يتم الاكتفاء ببعض الدموع حزناً عليهم، بل الأهم أن تستنهض مؤسسات المجتمع المدني كل طاقاتها وتجترح الحلول التي تستطيع أن تدخل هؤلاء المجرمين إلى السجن لتحاسبهم لكي يكونوا عبرة لمن يعتبر وإلا فإن كل الأوطان المجاورة لهذه الدولة مهددة بما يحصل في لبنان وفلسطين.