في صيف عام 1998 نشر الحزب الجمهوري الأميركي بنود الأجندة السياسية التي رشحوا على أساسها حاكم ولاية تكساس أيامها الذي ما لبث أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة تحت اسم جورج دبليو بوش. تلقف المراقبون والمحللون هذا المانيفستو السياسي، وخاصة بعد أن عرفوا أنه من إعداد نجم كان صاعدا وقتها في مضمار سياسة الولايات المتحدة وعلاقاتها الدولية ورؤيتها لدورها في مستقبل القرن الجديد الذي كان على الأبواب، وهذا النجم الصاعد ما لبث بدوره - أو بدورها على الأدق - أن أصبح وزيرا لخارجية واشنطن تحت اسم كوندوليزا رايس.

ولقد استرعى اهتمامنا في تلك الفترة كيف أن المانيفستو السياسي للجمهوريين ومن ثم للمحافظين الجدد في أميركا لم يولِ الأهمية المطلوبة ولا أعطى الوزن الواجب لقضايا الشرق الأوسط ولا سيما محورها المتمثل بداهة في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. لقد جاء الاهتمام السياسي للإدارة الجمهورية الجديدة منصبا أو يكاد على المحيط الإقليمي للولايات المتحدة وخاصة قارة أميركا اللاتينية بقدر ما كان مهتما بتكريس وتأكيد دور أميركا بوصفها القطب العالمي الأوحد بعد زوال الخصم السوفييتي وانتهاء حقبة الحرب الباردة.

مع ذلك فها هي أحداث الساعة، وملابسات الفترة الراهنة تأتي لتؤكد ذلك القانون الذي ينطبق في ظروف الحرب بقدر ما ينطبق أيضا في قضايا السياسة باعتبار أن الحرب والسياسة (الدولية بالذات) تنطوي في جوهرها على حركة الصراع بين الأطراف - هذا القانون يعرف باسم «قانون النتائج غير المتوقعة»

بمعنى أن تطورات الأحداث قد تجرف الساسة والقادة وتجرف معهم المحللين والمراقبين إلى ظروف وملابسات وتعقيدات كانت بعيدة كل البعد عما رصدوه وتوقعوه من حسابات وربما كان العامل المتغير الذي أفضى إلى هذا الانحراف عن بنود مانيفستو - كوندوليزا ومن ثم هذا الانحراف، إلى التعاطي بكثافة وربما بجلافة أيضا مع أوضاع الشرق الأوسط - جاء مجسّدا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من غزو أفغانستان وحرب العراق وقد تم هذا كله - كما نعلم - تحت شعار «شن الحرب على الإرهاب».

بيد أن تطورات الأحداث في قارة أميركا اللاتينية.. لم تتح لواشنطن «ترف» التفرغ للتركيز السياسي - والدبلوماسي - والعسكري على الشرق الأوسط، فقد شهدت «الردهة الإقليمية الجنوبية» تطورات جذرية ومتغيرات أساسية وطروحات سياسية كان لها أصداؤها في قارتي أميركا - الشمال والجنوب. وربما ترددت بعض هذه الأصداء في أصقاع شتى من العالم.. ولم تكن واشنطن قادرة على أن تغضّ الطرف عن تلك التطورات فضلا عن ضرورة تتبع مساراتها والتنبؤ بما عساها تفضي إليه من أوضاع.

من هنا يكاد الشأن اللاتيني في مساحة البحث والتحليل السياسي في أميركا يتوازى ولو بصورة نسبية مع الشأن الشرق - أوسطي، خاصة وأن أميركا اللاتينية - على خلاف أوروبا مثلا - قارة تحوي موارد بترولية تشكل أهمية حيوية لاقتصاد الولايات المتحدة: أولا بحكم تعدد المصادر (فنزويلا وبوليفيا بالذات) وثانيا، بحكم سهولة المواصلات واختصار مسافات النقل إلى الأسواق الأميركية في الشمال،

وثالثا، لأن هذه المصادر البترولية اللاتينية بالذات طرأت عليها تطورات واستجدت أوضاع استحقت وما برحت تستحق اهتمام صانع القرار الأميركي. حيث يسيطر على المورد البوليفي نظام يساري بقيادة الرئيس موراليس ويسيطر على المورد الفنزويلي نظام يساري أكثر راديكالية وأشد إقلاقا لمضاجع واشنطن بقيادة الرئيس هوغو شافيز.

وفي معرض التدليل، إلى درجة التأكيد، على تداخل السياسة مع الاقتصاد.. فقد لفت اهتمامنا في هذا السياق الدراسة الجامعة المقرر إصدارها في الأشهر القليلة المقبلة حول «تطورات الأحوال السياسية في أميركا اللاتينية».. ورغم أن المرء يتوقع عادة أن تصدر مثل هذه الدراسات عن مراكز البحوث أو معاهد - مستودعات الأفكار (ثنك تانكس) إلا أن دراسة الشأن السياسي القاري الشامل في أميركا اللاتينية سوف تصدر عن «بنك الأميركتين للتنمية» آية على أهمية أن تتطلع مثل هذه المؤسسات المصرفية..

الاقتصادية وما في حكمها من دوائر غير سياسية - إلى آفاق أرحب تتجاوز تخصصاتها الفنية وشواغلها المهنية كي تشرف على مثل هذه الدراسات التي لا شك ستحظى بتمويل كاف إلى حد السخاء ومن ثم يتهيأ لها كوادر من أنجب الباحثين وأوفرهم خبرة ومراسا بالموضوع، دع عنك ما قد تجنيه مؤسسة مصرفية كبرى من معارف عميقة ورؤى مستنيرة بشأن الوسط السياسي - الاقتصادي - الاجتماعي الذي تمارس فيه أنشطتها.

الدراسة التي نشير إليها استوقفت باحثا مهما في حجم البروفيسور فرانسيس فوكوياما الذي نشر مؤخرا دراسة موجزة عن أميركا اللاتينية ومآل الأحوال فيها (جريدة وول ستريت جورنال، عدد 17/7/2006). حيث أشار إلى ما رصدته الدراسة إزاء ما أصبحوا يصفونه بأنه «الثورة المؤسسية» في أميركا اللاتينية بمعنى الإصلاحات التي تهدف إلى مزيد من التحول الديمقراطي وتمكين المواطن العادي من المشاركة في اختيار حكوماته اختيارا حرا مستندا إلى ثقافة مستنيرة أو على الأقل إلى وعي معقول بما يضطرم في بلاده - أو بلادها - من تيارات وأفكار.

وقد جاء في مقدمة هذه الإصلاحات ما بادرت إليه المكسيك من إنشاء معهد الانتخابات الفيدرالي الذي يتولى الإشراف على الانتخابات الوطنية إلى جانب محكمة الانتخابات الفيدرالية التي تتولى النظر في المنازعات التي تنشب في هذا الخصوص وتتمتع بالاستقلال القضائي عن سائر السلطات.

ويلاحظ فوكوياما أن من الإيجابيات الأخرى لتلك الإصلاحات المؤسسية تزايد الاتجاه إلى أسلوب لا مركزية الحكم ولا سيما في أقطار من قبيل كولومبيا والأرجنتين وبوليفيا وبيرو والبرازيل.. حيث لم تعد السلطة، ومن ثم الموارد والفعاليات، مركزة في أيدي الحكومات المركزية بالعواصم الكبرى، بل بدأت تلك «المركزيات» تتنازل عن سلطاتها، لا لصالح الولايات أو المقاطعات الإقليمية فحسب، بل أيضا لصالح البلديات والوحدات المحلية التي قد تصل إلى مستوى الحي أو النجوع والقرى والأحياء.

أما الميزة الثالثة في هذا الخصوص فهي تراجع دور العسكر ليقتصر على قضايا ومهام الدفاع الوطني وما إليها دون التعاطي مباشرة مع شؤون السياسة والحكم المدني. ولعل هذه الميزة جاءت ناجمة بالذات عن مرارات التجارب التي تجرعتها شعوب أميركا اللاتينية على يد العسكر الباطشة في بلدان مثل الأرجنتين (طغمة الجنرالات التي شاركت وانهزمت في حرب فوكلاند) أو بنما (أورتيجا الذي بدأ جنرالا وتطور إلى تاجر مخدرات وانتهى به الأمر سجينا في محابس أميركا) أو شيلي (حقبة بينوشيه الفاشية البغيضة).

على أن الصورة لها أبعادها المعتمة وظلالها القاتمة الأخرى، ثمة خلافات حادة بين دول إقليم أميركا اللاتينية ذاتها. وخاصة بين بوليفيا والبرازيل رغم الاتجاه اليساري الذي يجمع بين النظامين ويرجع الخلاف إلى أن رئيس بوليفيا قرر تأميم قطاع الغاز في بلاده مما أدى إلى الإضرار بمصالح شركة الطاقة البرازيلية العاملة هناك وقد أدى هذا الخلاف وغيره إلى انقسام الصف الأميركي اللاتيني لدى انعقاد القمة التي جمعت بين زعماء القارة اللاتينية والقارة الأوروبية (60 دولة) في فيينا في أوائل مايو الماضي ومن ثم لم يتحقق الكثير من هدف الشراكة المنشودة بين القارتين (بعيدا بالطبع عن هيمنة واشنطن).

وأما سوء، وربما تدهور الإدارة الحكومية، فقد كان بدوره موضع دراسة طريفة حقا أجراها البنك الدولي عن الفترة الزمنية التي تستغرقها المعاملات والإجراءات الحكومية من أجل استخراج تصريح أو سجل تجاري لمشروع صغير وجاءت نتائج الدراسة الدولية كالتالي: في أميركا أو استراليا تحصل على التصريح في 4 أيام، في المكسيك يستغرق التصريح 51 يوما، وفي البرازيل عليك بانتظار الرخصة أو التصريح لمدة 152 يوما بالتمام والكمال. مع هذا كله ينصح الخبراء واشنطن أن لا تنغمس في شؤون أميركا اللاتينية بل عليها أن تترك شعوبها وقادتها يديرون أمورهم كما يرغبون، وإلا كررت أميركا أخطاء الماضي على نحو ما تشهد به حالة كوبا على سبيل المثال.

كاتب مصري