لا يزال الصمت سيد الموقف، رغم كل ما قيل وما يُقال، ورغم المساعي الصادقة والمجاملَة للكثير من الجهات والشخصيات، إلا أن عدم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الجنوب اللبناني المنكوب، رغم مرور شهر على بدء العدوان «الإسرائيلي» في الثاني عشر من يوليو الماضي، دليل على أن ما يُقال ويُفعل ليس سوى وجه آخر للصمت.

ومع أنه قد كُتِب الكثير رفضاً واحتجاجاً على هذا الصمت القاتل، الذي لا شك أنه يفتك بإخواننا في لبنان ـ ومن قبل في فلسطين والعراق ـ أكثر من فتك عدوهم الواحد ـ المتعدد بهم، إلا أن المرء لا يجد مفرّاً من أن يستمر في الكتابة، وأن يواصل إعلان رفضه واحتجاجه، ولكن الرفض والاحتجاج في هذه المرة يرتفعان في وجه العالم أجمع، لأن الجميع يبدو متواطئاً في هذا العدوان الغاشم على الأطفال والنساء والشيوخ المدنيين الأبرياء العزّل، الذين تفتك بهم الآلة العسكرية «الصهيونية» بكل ما أوتيت من قسوة وغلظة ووحشية، بقلوب لا يوجد فيها مكان للفظة الرحمة ومرادفاتها.

وفي مثل هذا الواقع، يبدو كلامنا وصمتنا سواءً، كما يبدو فعلنا كقولنا، مجرد حدث إما كلامي أو فعلي يضيع في مهبّ الريح، لا قيمة له ولا قدر ولا وزن ولا حجم، وهو والعدم سواء. وإذا كان مثل هذا الذم يوجّه في السابق إلى العرب فقط، فإنني أؤكد أن دائرته قد اتسعت، وأنه أصبح يشمل العالم كله، وليس العرب الصامتين المتخاذلين عن نصرة أي أخ لهم يصيح فيهم صباح مساء، وما من معتصم يهبّ ليلبي النداء.

لقد أصبح العالم كله عرباً في صمتهم وتخاذلهم وعدم تحركهم تحركاً حقيقياً لرفع العدوان الوحشي الواقع على إخوانهم ـ في الإنسانية على الأقل ـ في الجنوب اللبناني؛ فقد التزموا الصمت، ولا شيء سوى الصمت، وقد يكون الصمت خيراً من بعض الكلام أحياناً. والفعل الوحيد الذي أتقنته دول العالم جميعها هو ترحيل مواطنيها ورعاياها من لبنان، البلد الذي عرفوه في السلم، وتنكّروا له في الحرب.. أحبوه في حال رخائه، وهربوا منه عندما خيّم شبح الموت فوق جباله التي بقيت شمّاء لا تحني هاماتها لأحد.

ولا يزال الصمت سيد الموقف، والوحش «الإسرائيلي» الغاشم يتمادى في ظلمه وعدوانه اللذين يخرجانه من دائرة الإنسانية، ويبرئ الإنسانية منه ومن دمه. وقد بلغ به التمادي درجة أنه لم يجد ما يردعه عن منع المعونات الإنسانية، وقافلات الإغاثة، وحاملي المواد الغذائية والتموينية من الوصول إلى المناطق المنكوبة في الجنوب لإنقاذ ما يمكن ـ ومن يمكن ـ إنقاذه فيها،

بحجة أن أسلحةً تصل إلى حزب الله من خلال الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية أو باللوازم الطبية! وكأن الجيش «الإسرائيلي» أراد بهذا المنع أن يثبت لنا أنه متيقظ ومنتبه، وأنه يقطع على حزب الله إمكانية التزود بالأسلحة، مهما كانت الطريقة التي يمكن أن تصل بها إليه! ولكنه في الحقيقة يعرف أنه لا يستطيع فعل هذا، وهو في الوقت نفسه يجد حجة مقبولة عند حلفاء «إسرائيل» لرفع عدد الضحايا من المدنيين الذين بلغ عددهم حسب آخر إحصائية رسمية مئة ألف شخص.

وإذا كان الثور «الإسرائيلي» الهائج الذي لم يستطع أن يستوعب أنه دخل معركة حقيقية مع حزب الله ـ بعد أن كان يتصورها فسحة يمارس فيها جنوده هواياتهم العسكرية والحربية، ويخرجوا منها في الوقت نفسه وقد استأصلوا ورم حزب الله الذي ينغص عليهم استقرارهم وسعادتهم ـ وأنه بعد مضيّ شهر لم يتمكن خلاله من تحقيق نصر حقيقي وصارخ، قد اهتاج أكثر، وفقد من القدر القليل المتبقي لديه من نعمة العقل الإنساني جلّه،

وربما كله، فأخذ يضرب ويقصف دون هدف عسكري محدد، حتى أنه لم يتورع عن ضرب مبنى تابع للأمم المتحدة رغم أن هويته واضحة بشكل كافٍ، فأين مجلس الأمن، وأين الدول الكبرى التي ترفع شعارات مكافحة الإرهاب لأي طلقة نار مصدرها عربي أو إسلامي؟ وأين دول العالم أجمع من الوقوف وقفة حقيقية في وجه «إسرائيل» تعيد إليها صوابها الذي لا يبدو أنه سيعود؟ ثم.. أين الدول العربية كلها من الوقوف في هذه المرة وقفة موحدة، لإنقاذ الطفل اللبناني، والإنسان اللبناني، من نهر الدم الجاري على أراضيه منذ شهر، وهو لا حول له ولا قوة سوى الدعاء للمقاومة بالنصر؟

لا يزال الصمت سيد الموقف، ونحن نرى أطفالنا في لبنان يُقتَلون ويُشردون، وتتلاحق الصور تتلو الصور لأطفال تحولوا إلى أشلاء بشرية، ولآخرين أصيبوا بعاهات دائمة، وغيرهم ممن فقدوا ذويهم وأصبحوا وحيدين في عالم لا يعرف الرحمة والرأفة. ولا يزال الصمت سيد الموقف، وجميع سكان العالم يرون كيف تُمحى قرى وتُدمر مدن، وتنهار المنازل والبنايات على رؤوس ساكنيها، ومع هذا ما من فعل حقيقي بنّاء يقوم في مواجهة فعل الهدم والتدمير.

وإذا أراد التاريخ أن يسجل دروساً في الخذلان، فلا أظنه سيجد دروساً أفضل مما يجري على الساحة الدولية اليوم في موقفها من العدوان «الإسرائيلي» على الجنوب اللبناني. كما أنه إذا أراد أن يحفظ دروساً في التواطؤ العلني على شعب، والانحياز لشرذمة متجمعين يدّعون أنهم شعب كبقية شعوب الله، فلن يجد أفضل من موقف دول العالم إزاء القضية ذاتها، العدوان «الإسرائيلي» على لبنان.

إن العنجهية «الإسرائيلية» لم تجد إلى اليوم من يتصدى لها، ويقف بوجهها، ويبصرها بأن لأطفال لبنان ـ الذين تسلبهم أرواحهم ما بين غمضة عين وانتباهتها ـ حقّاً في الحياة كغيرهم من الأطفال الذين ينعمون بالأمن والأمان والسلام في بقاع أخرى من العالم. ولو أنها وجدت ـ منذ عقود خلت ـ من يعرف قيمة الإنسان العربي من بين العرب أنفسهم البالغ تعدادهم حوالي ثلاثمئة وخمسين مليون نسمة،

لما كانت تجاوزت كل الحدود والأعراف، ولما كانت تمادت في عنجهيتها وجبروتها، ولكانت حسبت لكل خطوة تخطوها ألف حساب، ولكن هيهات.. إذ لم ترَ هذه «الإسرائيلية» منذ يوم وجودها من العدم حتى اليوم إلا الدلال من جهة، والكلام من جهة أخرى، فيما يعاني إخواننا في فلسطين ولبنان وسوريا ما لا يطيق احتماله أي شعب من شعوب العالم على أيدي قاتلي الأطفال المنتمين إلى جيشها.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com