بعد مرور قرابة شهر على بداية العدوان الإسرائيلي الذي انكسر أمام مقاومة كانت قد أعدت العدة من قبل لمنع مثل هذا العدوان، أليس من حق شعوب المنطقة أن تسأل حكامها هذا السؤال: هل كان أسر الجنديين الإسرائيليين مغامرة غير محسوبة؟ أم أنها اقتنعت أن الأمور كانت مطبوخة من قبل الصهاينة والأميركيين من اجل تعبيد الطريق أمام شرق أوسط جديد.
فالواقع ان المقاومة تكون قد حيدت بالكامل التفوق الجوي الإسرائيلي وأخفت عنه بنك الأهداف العسكرية بالكامل، قادته إلى التعويض عنها بضرب الأهداف المدنية وارتكاب المجازر. هذا ما يفسر تمادي إسرائيل في طبيعتها الإجرامية ومن ثم كانت مذبحة قانا، والتي تعبر عن يأس إسرائيلي من عدم القدرة على فرض شروط انهزامية على اللبنانيين.
جميع خبراء الحروب ومنظري الاستراتيجيات العسكرية يلتقون عند هذه الحقيقة، وهي أن نتيجة الحروب تقاس وتحسب بمقدار تمكن الطرف المبادر إلى الحرب من تحقيق أهدافه المعلنة أو على الأقل نسبة منها تفوق النصف. لنتذكر كيف أن الهدف الإسرائيلي المعلن كان ببساطة استرجاع الجنديين قبل أن تدفع الولايات المتحدة بإسرائيل إلى حرب غير التي أرادتها إسرائيل بالزحف بكل ما تملك من ترسانة عسكرية بجيش يقال عنه إنه الرابع في العالم، بقصد اجتثاث حزب الله كمقدمة لعملية أوسع.
بحيث تجتث روح وثقافة المقاومة في المنطقة، وتدفع الشعوب إلى حالة من اليأس والاستسلام تفسح المجال أمام توليد وصناعة الشرق الأوسط الجديد إسرائيل فوجئت بنوع من القتال الشرس الذي لم تعهده حتى في الاجتياحات السابقة، أي خبير عسكري كان سيتوقع إمكانية وصول الألوية المدرعة إلى نهر الليطاني في بحر ساعات حتى لو كان أمامه جيش نظامي مثل الجيش المصري أو السوري بالنظر إلى تفوق المنظومة العسكرية الإسرائيلية، فكيف أمام مقاومين ليس بين أيديهم سوى أسلحتهم الخفيفة والمضادات للمدرعات.
ما فاجأ إسرائيل ومن دفعها إلى هذه الحرب هو استماتة المقاتلين من حزب الله في الدفاع عن كل شبر لا يغادرونه حتى يدفع الجيش الإسرائيلي الثمن الفادح، وفي الوقت الذي لجأت فيه إلى استدعاء جيشها الاحتياطي لم نسمع من قائد المقاومة أية حاجة إلى إعلان حالة استنفار في صفوف الحزب كما فعل في المرات السابقة. وإذا كان علينا أن نصدق بيانات قيادة أركان الجيش الإسرائيلي.
فنحن بالفعل أمام معجزة عسكرية غير مسبوقة، عشرات البيانات العسكرية الإسرائيلية تباهت بقطع جميع الطرق والمسالك بين الجنوب والشمال اللبناني، ومنع الطيران الإسرائيلي تقدم أية شاحنة أو سيارة نحو الجنوب، وهو يراقب جميع الطرق والمسالك، والحال عليه الاعتراف بأنه إنما يواجه فقط طلائع المقاومة التي كانت مرابطة بالقرى الحدودية، وأن هذه الطلائع تقاتله منذ ثلاثة أسابيع دون أن يصلها مدد في العدد والعدة.
أما حان الوقت لأن نفكر بجدية وشجاعة في التخلص من التنويم المغناطيسي الذي تمارسه أميركا على بعض الأنظمة العربية، ونحاول الانتصار لإخواننا في لبنان الشقيقة، حتى لا يكون علينا حرج بعدها أمام أبناء قانا الذين يكبرون ويقرأون عن التخاذل والصمت الفظيع الذي خيم على الأنظمة العربية في هذه الأيام، لأن إيمان المقاومة اللبنانية بالنصر كبير واعتقادهم بضرورة زوال الكيان الصهيوني الغاشم لا يشوبه شك.
أما ما قاله ماوتسي تونغ منذ زمن ليس بالبعيد «سيبقى مئة عربي لكن ستفنى إسرائيل»، قالها ورحل عن قناعة مفادها أن العرب سينتصرون على الصهاينة عاجلاً أم آجلاً، حيث طرح تحليلاً منطقياً استناداً إلى مقاربات تاريخية تؤكد أنه لم يحصل في تاريخ الإنسانية أن شعباً صغيراً مثل اليهود استطاع أن يفني شعباً أكبر منه بحجم الأمة العربية، وهو ما يدعو إلى توحد عربي ضد أي مخطط أميركي صهيوني لتجزئة المنطقة.
لا نعتقد أن هذا الدرس يعني فقط الشعب اللبناني والفلسطيني الذي يواجه هذا المخطط بمقاومة نراها تدير المعركة بكفاءة. الدرس موجه لشعوب المنطقة ولأنظمتها ونخبها، بل هو دعوة مفتوحة للشعوب لإعادة النظر في منظوماتها الدفاعية، وبناء الجيوش المكلفة التي تنهار في أقل من أسبوع. لقد بدأ الدرس من المقاومة الفلسطينية التي أحبطت مؤامرات المجموعة الدولية وخربت المشروع الصهيوني بالكامل ودفعت به إلى الانكفاء خلف الجدار العازل.
ثم يأتي الدرس الكبير من لبنان الصغير مع هذه المقاومة التي نراها تحبط مشروعاً إمبراطورياً سخرت له القوة الصلبة لرابع جيش في العالم والقوة الناعمة للإمبراطورية، وقد بين لهم حزب الله كيف يمكن تعديل موازين القوة بأقل كلفة ممكنة والرهان على القوة الروحية التي تختزنها هذه الأمة.
الأكيد أن لبنان وفلسطين لن ينهارا أمام الهجمات الإسرائيلية، بل ان المقاومة ستواصل دفاعها المستميت من أجل دحر الصهاينة أو على الأقل إفشال مخطط واشنطن في صنع الشرق الأوسط الجديد على أنقاض المجازر المرتكبة في قانا وقطاع غزة.