الحرب على لبنان تثير أسئلة وجدلا واسعا حول قضايا شائكة يستحي البعض من إثارتها في ظل الجرائم والمجازر الوحشية التي ترتكبها آلة الحرب الصهيونية، من هذه القضايا التي يمكن إثارتها رغم حساسيتها قضية «الجيش اللبناني».

السؤال يتردد في كل مكان «أين الجيش اللبناني؟».

هناك في لبنان جيش نظامي كبير لا يقل عدد أفراده عن سبعين أو ثمانين ألفا، بل ربما يتعدى ذلك بكثير، وهو جيش مدرب ومعد إعدادا لا بأس به، خاصة وأن لبنان بطبيعته بلد مضطرب الأحوال ومحاط بتهديدات كثيرة على مدى نصف قرن مضى، وتجارب الجيش اللبناني الحية في خوض الحروب أكثر بكثير من تجارب العديد من جيوش الدول العربية الأخرى.

ولا يمكن أن نتصور أن الجيش اللبناني غير مستعد لخوض حروب، أو على الأقل غير مستعد للرد على هجمات العدو المتكررة كل يوم، كما يصعب علينا أن نتصور أن عتاد الجيش اللبناني أقل بكثير من عتاد المقاومة اللبنانية بالدرجة التي لا تسمح له بأن يطلق رصاصة واحدة.

ليس صحيحا ما تدعيه إسرائيل من أنها تستهدف فقط حزب الله، والأيام الماضية من الحرب تثبت عكس ذلك تماما، إذا فصلنا «جدلا» حزب الله عن لبنان، وهو أمر مرفوض حتى «جدلا»، فإن خسائر حزب الله البشرية والمادية لا تتعدى عشرة في المئة أو أكثر بقليل من جملة الخسائر التي تعرض لها لبنان، وآلاف القتلى والجرحى من اللبنانيين لا ينتمون إلى حزب الله، وآلاف المنازل والمدن والقرى التي تقصف وتدمر ليست تابعة لحزب الله، وهذا يطرح السؤال «ماذا ينتظر الجيش اللبناني النظامي؟».

أن يكون الجيش مؤهلا أو غير مؤهل للقتال هذا لا يهم في شيء الآن، فأيا كانت مؤهلات الجيش ضعيفة أو متواضعة فإن هذا لا يبرر الصمت والسلبية الكاملة وعدم التحرك في مواجهة العدوان، وخاصة أن القصف الإسرائيلي كما سمعنا طال مناطق وثكنات تتبع الجيش اللبناني، ولا يمكن لأي جيش أو قوات مسلحة في العالم أيا كانت إمكانياتها متواضعة أن تصمت تماما والقذف يجري فوق رأسها ويدمر ما حولها.

قد تكون هناك توجهات سياسية عليا داخلية أو خارجية بعدم تدخل الجيش في الحرب الدائرة، ولكن مجريات الحرب منذ بدايتها وتصعيدها الحاد يسقط كل هذه التوجهات، ويفرض على الجيش اللبناني أن يتدخل ويدخل المعركة رغما عنه ورغما عن كل التوجهات، كيف يمكن لجيش دولة أن يصمت كل هذا الصمت أمام هذه المجازر الوحشية التي يتعرض لها الشعب؟، وما قيمة هذا الجيش وما هي مبررات وجوده إذا كان هذا هو موقفه؟

المقاومة لا تملك سلاح الطيران الذي له الأولوية والحسم في كل المعارك، ورغم هذا فإن المقاومة صامدة وتقاتل وتكبد العدو خسائر فادحة وتحقق انتصارات وإنجازات عظيمة، ولكن استمرار المعارك ليس في صالح المقاومة ولا في صالح لبنان كله، وسيترتب عليه خراب ودمار كبير.

ماذا ينتظر الجيش وقياداته؟، هل ينتظر حتى يدمر الوطن ويباد الشعب؟، أم ينتظر كما نسمع وصول الخبراء الأميركيين الذين سيتولون إعادة تأهيل الجيش اللبناني من جديد ليصبح جيشا حديثا على الطراز الأميركي مثل الجيش العراقي والأفغاني؟

لا يمكن لنا أن نصدق الأقاويل المغرضة التي تقول إن الجيش اللبناني صامت لأنه ينتظر أن تخلصه إسرائيل من حزب الله الذي يشكل عقدة نفسية لهذا الجيش الذي لا يذكره ولا يتذكره أحد لأن حزب الله هو الذي يتولى الدفاع عن لبنان، لكننا في الوقت نفسه لا نستبعد أن يكون هذا هو هدف البعض على الساحتين الداخلية والخارجية.

أيا كان الأمر فإن عدم تدخل الجيش اللبناني للقيام بدوره في الدفاع عن الوطن أمر مهين ومشين في ظل المجازر الوحشية والدمار الذي يتعرض له لبنان، ولا نشك في أن هذا الوضع سيولد عقدا نفسية شديدة ومستعصية لدى أفراد هذا الجيش الذين ناموا في ثكناتهم وفي أحضانهم أسلحتهم وتركوا وطنهم يدمر وشعبهم يباد.