قرار آخر من مجلس الأمن وخيبة أمل أخرى لمن اعتبروا المجتمع الدولي طوق نجاتهم، قرار لقيط أبوه أميركا وأمه فرنسا على الورق، لكنه من صلب إسرائيل لحماً ودماً يتنفس هواءها ويذب عن مصالحها ويغمض العين عن إجرامها ومذابحها.

عار على المجتمع الدولي أن يتخذ قراراً كهذا بعدما أوغلت إسرائيل في الإجرام ضد الإنسانية عبر عدوانها الأخير على لبنان. إسرائيل لم تقاتل ولو فعلت لكنا رفعنا لها القبعة، وإنما هربت من القتال إلى قتل النساء والأطفال والعمال العزل. لم تعرف كيف تنال من عدوها ـ حزب الله ـ فانتقمت من قوافل الإغاثة ومحطات الكهرباء والجسور والبنايات التي يقطنها أناس مدنيون.

يقول أمل دنقل: «الفتوحات ـ في الأرض مكتوبة بدماء الخيول. وحدود الممالك. رسمتها السنابك. والركابان : ميزان عدل يميل مع السيف.. حيث يميل!». ولأن العرب لم تعد لهم خيول ولا ممالك، فإن العالم لم يعد يكن لهم احتراماً من أي نوع، بل إن هناك من سيعتبر قرار مجلس الأمن الوشيك تفضلاً عليهم وإنقاذاً لهم من بين أنياب إسرائيل صاحبة القوة والسطوة.

وبعيداً عن العواطف فإن القرار عار بكل معنى الكلمة، لأنه أولاً يخرج الحالة اللبنانية من السياق ويهمل تماماً كونها جزءاً من صراع طويل وممتد منذ عام 1948 وحتى اليوم، بل إنه يتعامى عن الواقع القريب الذي كان موجوداً قبل قيام حزب الله بخطف الجنديين، وثانياً لأنه لا يتعامل مع حزب الله كحركة مقاومة وطنية تكافح من أجل تحرير أرض محتلة، بل كحركة مسلحة خارجة عن الشرعية مثلها مثل جماعات تهريب المخدرات وقُطاع الطرق.

وثالثاً: يفترض القرار أنه يفض نزاعاً بين طرف بريء وآخر مدان، البريء هنا هو إسرائيل وكأنها لم تنتهك حرمة الأجواء والمياه اللبنانية بشكل شبه يومي منذ انسحبت ذليلة من الجنوب اللبناني في 25 مايو عام 2000، والمتهم هو لبنان لأن حكومته لم تستطع كبح جماح المقاومة عن الرد على اعتداءات إسرائيل ولم تحول جيشها إلى حارس لمستوطنات إسرائيل الشمالية مثلما فعلت كل البلدان العربية الأخرى المجاورة.

ورابعاً: ان القرار اعتبر المستوطنين الإسرائيليين الذين جرحت صواريخ حزب الله البدائية بشراً لهم حق الحياة في أمن وأمان، بينما لم يُنعم بهذه الصفة على اللبنانيين الذين قتل منهم نحو ألف وجرح خمسة آلاف الغالبية العظمى منهم أطفال ونساء أو شيوخ وعجائز نازحين.

واتضح أن ضمير من صاغوا القرار تألم للمستوطنين الذين هرعوا إلى ملاجئهم المحصنة في المستوطنات ولم يعر اهتماماً لنحو مليون نازح هُدمت قراهم وهاموا على وجوههم لا يعرفون أين يذهبون، فالصواريخ تتعقبهم على الطرقات وفي سيارات الصليب الأحمر وحتى معسكرات قوات الطوارئ تغلق أبوابها في وجوههم.

النقطة الخامسة: أن القرار لم ينتصر للمظلوم بل كافأ الظالم، لم يتحدث عن الدولة التي مارست الإرهاب وارتكبت المجازر الجماعية، بل انشغل بحماية أمنها وحراسة حدودها، فالقوة الدولية التي يفكر فيها مجلس الأمن قوة ردع تستند إلى الفصل السابع وتوجه فوهات بنادقها إلى الساحة اللبنانية انتظاراً لأي انتهاك للهدنة، كما أنها تنتشر في منطقة عازلة أريد لها أن تُقتطع من الأراضي اللبنانية، أي ستقوم بنفس المهام التي كان يقوم بها في السابق سعد حداد وأنطوان لحد.. وهي بالتالي يُقدر لها أن تفعل ما عجزت الآلة العسكرية الإسرائيلية عن فعله.

انطلاقاً من ذلك يمكن للمرء بضمير مستريح أن يصف مجلس الأمن الدولي بأنه أصبح مجلساً لأمن المستوطنات الصهيونية.

ربما يكون العيب فينا نحن (والعار من أمتنا المجزأة.. والطفلة الصغيرة العذبة. تطلق ـ فوق البيت ـ طيارتها البيضاء. كيف تُرى تكتب في كراسة الإنشاء. عن بيتها المهدوم فوق الأب.. واللعبة؟) وربما يكون في مجلس الأمن، فقد تشكل منذ البدء من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.. والمنتصر بطبيعته لا يحس أبداً بآلام المهزوم .

Magdishendi@hotmail.com