أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية ان أحداث لبنان يجب ان تنتهي بتأسيس شرق أوسط جديد، وهذا الأمر يؤكد ان وراء الهجمات الإسرائيلية البربرية على لبنان أهداف أخرى تخرج عن المطالب الإسرائيلية المعلنة الخاصة بتسليم الأسيرين الاسرائيليين، وإقامة شريط حدودي عازل في جنوب لبنان، وتجريد حزب الله اللبناني من السلاح. وقد اكد أكثر من كاتب أميركي مستقل على رأسهم سيمور هيرش في «النيويوركر» ان الولايات المتحدة أعطت لإسرائيل الضوء الأخضر لضرب لبنان والقضاء على حزب الله كوسيلة أميركية لعزل إيران في منطقة الشرق الأوسط. وهذا العزل يهدف أساسا الى تأسيس النظام لشرق أوسطى الذي تحدثت عنه كوندوليزا رايس.
والشرق الأوسط الجديد الذي تريد الولايات المتحدة ان تقيمه على أشلاء اللبنانيين ليس جديدا ولا مستجدا بل هو احد الملامح الأساسية في تصورات الولايات المتحدة حول النظام الكوني الذي تسعى اليه من اجل المزيد من الهيمنة على العالم. فهذا النظام الكوني يتكون من انظمة فرعية واحد منها هو النظام لشرق أوسطي، الذى يعطي لاسرائيل المنخرطة تماما في الاستراتيجية الأميركية الدور المركزي في المنطقة المحيطة بها.
ولإقامة هذا النظام لابد من القضاء المادي والمعنوي على قوى الممانعة وعلى رأسها الدول التي ترفض ان تكون أداة في أيدي الولايات المتحدة. والقوى غير الرسمية التي تسعى الى التحرر والاستقلال او ترفض هى الأخرى الاستراتيجية الأميركية وتعمل على تقويضها ومنها بلاشك حزب الله اللبناني وأيضا حركة حماس الفلسطينية.
والراهن ان الولايات المتحدة سعت الى تأسيس هذا النظام تحت مسمى الشرق الأوسط الكبير من قبل عبر استخدام القوة العسكرية المباشرة كما حدث في العراق ولكن ذلك لم يفلح حيث مازالت عمليتها العسكرية تعاني من مشكلات حقيقية، وهى من اجل تأسيس هذا النظام خلال فترة ولاية الرئيس بوش، لجأت إلى الوكلاء المحليين لها وعلى رأسهم إسرائيل مع تواطؤ قوى إقليمية أخرى وسعي لإشراك تركيا في ترتيبات أمنية لبنانية، ومقايضة ذلك بدعم أميركي لها في مواجهة حزب العمال الكردستاني.
ومعنى ذلك كله ان احد السمات الرئيسية في هذا النظام الإقليمي الجديد هو تهميش الدور العربي وبالتالي فان المقولات المترددة حاليا حول موت النظام العربي تهدف بالأساس إلى تهيئة الأجواء أمام تكريس هذا الشرق الأوسط الجديد او على الأقل إيجاد ظرف موضوعي لتكريسه.
وهذه الطبعة من الشرق الوسط الجديد هى الثالثة منه، حيث كانت الأولى من إبداع وزير الخارجية الاسرائيلى السابق ونائب رئيس الوزراء الحالي شمعون بيريز وحاول ان يدشنها في أعقاب اتفاقيات أوسلو، اما الثانية فصاحبها الرئيس بوش نفسه واعطى لها وجها دوليا عندما تبنتها مجموعة الدول الثماني، وأعطى لها مسمى الشرق الوسط الكبير.
اما الثالثة التي خرجت على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس فهى تختلف عن الطبعتين الأولتين في انها تتكرس بالعمل العسكري على عكس السابقتين اللتين كانتا من المفترض ان تبدأ بهما مرحلة من السلام في منطقة الشرق الأوسط. وتختلف أيضا في انها تقدم باعتبارها نظاما سوف يفرض بالقوة على سكان المنطقة،وعلى الأخص السكان العرب منهم، وذلك من دون مقابل يحصلون عليه مقابل دخولهم فيه.
ففي الطبعة الأولى لصاحبها شمعون بيريز كان هناك «وهم» التقدم والرخاء الاقتصادي والانطلاق إلى الحداثة، وهذا الوهم جعل بعض رجال الأعمال وبعض القوى الاقتصادية في المنطقة إلى تأييد هذا المشروع على اعتبار انها سوف تستفيد منه وتحقق مصالح اقتصادية.
وفى الطبعة الثانية أضيف إلى هذا الوهم ترتيبات تتعلق بالديمقراطية حيث سعى المشروع الذي قدمه الرئيس بوش إلى تحديد الخطوات المطلوبة من اجل ان يعيش سكان المنطقة في ديمقراطية كاملة ويحصلون على حقهم في التعليم كوسيلة من اجل القضاء على الاتجاهات الأصولية في المنطقة، وهذا الأمر بالذات دفع القوى الليبرالية في المنطقة إلى مساندة المشروع والدفاع عنه بل وبلغ الحد إلى ان هناك قوى غير ليبرالية لكنها مهمشة سياسيا من يسارية وإسلامية او أقلية إلى تأييد المشروع على اعتبار انه سوف يحقق لها أهدافا سياسية.
لكن المشروع الجديد المفروض ان يتحقق بالحديد والنار وقوة السلاح الاسرائيلى لا يعطي لسكان المنطقة اية ميزة يمكن ان يفكروا بموجبها في تطبيقه او الموافقة عليه. وهو ما يعني انه وهم جديد لسكان المنطقة الذين عليهم ان يذعنوا للقوة الإسرائيلية من اجل تطبيق المخطط الأميركي من دون اي مكاسب تتحقق لأيه فئة في المنطقة ولو حتى مجرد وعود براقة كاذبة.
من هنا يمكن القول إن هذه الطبعة الثالثة عرت الطبعتين السابقتين عليها لانها أكدت ان المطلوب في الشرق الأوسط الجديد ليس ايجاد مناخ أفضل في المنطقة لصالح سكان المنطقة سياسيا واقتصاديا، وانما المطلوب هو انخراط المنطقة في ترتيبات تحقق المصالح الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة حتى ولو تم ذلك على حساب سكان المنطقة.
ان سكان المنطقة بفطرتهم السليمة، ومن دون دراسة او انتظار لرأي الحكومات في هذا الطرح الجديد للشرق الأوسط الجديد صوتوا ضد الشرق الأوسط وذلك بالدعم المعنوي اللا محدود الذي قدموه لحزب الله اللبناني، وهم فعلوا ذلك على الرغم من الاختلافات المذهبية والسياسية، لأنهم يدركون ان تنفيذ مطامع إسرائيل في لبنان والقضاء على حزب الله يعني انهم سيدخلون إلى مرحلة من الإذعان وفرض الإرادات الخارجية عليهم وفقا لهذا الوهم الذي طرحته وزيرة الخارجية الأميركية المسمى بالشرق الأوسط الجديد.
كاتب مصري