ما ان انتشرت انباء المجزرة البشعة التي وقعت في بلدة قانا الجنوبية اللبنانية والتي ذهب ضحيتها نحو ستين لبنانيا اغلبهم من الاطفال، حتى سمعنا من يقول بأن هذه المجزرة ستشكل منعطفا حادا باتجاه وقف الحرب الدائرة منذ تسعة عشر يوما قبل وقوع المجزرة الثانية التي ترتكبها القوات الإسرائيلية بحق أهالي هذه البلدة.
قبل عشر سنوات بالتمام والكمال، كانت البلدة الجنوبية الوادعة على موعد مع مجزرة مروعه ذهب ضحيتها اكثر من مئة، دفعهم اليها تخاذل القوات الدولية، ورغبة شمعون بيريز في ان يذهب إلى الانتخابات الإسرائيلية العامة التي وقعت في شهر يونيو من العام 1996، أي بعد شهرين من المجزرة، والدم اللبناني لا يزال على أسنانه ويديه.
العجوز الفاشل الذي اكمل الاشهر الاخيرة من حكم حزب العمل بعد اغتيال رئيسه ورئيس الحكومة اسحاق رابين في نوفمبر 1995، على يد إسرائيلي يميني متطرف، كان يعرف السبيل إلى قلوب الناخبين الإسرائيليين، فأقدم على عملية اجتياح واسعة لجنوب لبنان اسماها «عناقيد الغضب» التي توجها بمجزرة رهيبة، أملا في المزايدة على اليمين الإسرائيلي من مواقع التطرف وسعيا وراء تحقيق الفوز له ولحزبه على الليكود وزعيمه المتطرف بنيامين نتانياهو. على ان النتائج جاءت على عكس ما يشتهيه شمعون بيريز وحزبه،
فالشارع الإسرائيلي لا يرتوي من مجزرة واحدة حتى لو كانت دماء ضحاياها من كبار السن ذوي الدماء الضعيفة فانتخب نتانياهو وحزبه الذي وعدهم بمجازر بشرية وسياسيه واسعة ومستديمة تدمر كل عملية السلام وتطلعات الفلسطينيين بالحرية والاستقلال، وتدمر البشر والشجر وكل ما يتحرك في الجوار من أجل الحق والحرية والمقاومة.
الآن يعود بيريز ذاته من موقع نائب رئيس الحكومة، بعد أن نقل بندقيته وأسنانه وأظافره من كتف حزب العمل الذي انتمى إليه تاريخيا إلى كتف حزب «كاديما» الذي يتزعمه ايهود اولمرت خليفة الجزار شارون، واللذان يتابعان تاريخ وجوهر منطق الليكود الذي جاءا منه وانشقا عليه، وربما لأنه أيضا لم يعد بمقدوره متابعه وظيفته التاريخية وبقوة البدايات وما أراده المؤسسون الأوائل.
أشياء كثيرة تغيرت خلال عشر سنوات، ومنذ مجزرة قانا الأولى التي أعقبها توقف العدوان الإسرائيلي، بينما أدت المجزرة الثانية إلى ان يتخذ المجلس الأمني الوزاري المصغر في إسرائيل قرارا بحشد خمس فرق من خيرة قوات المشاة والمدرعات، للبدء بشن عملية برية واسعة في اليوم الثاني والعشرين من الحرب، وتستهدف احتلال نحو ستة كيلومترات في العمق اللبناني مباشرة، واحتلال كيلومترات أخرى عبر النيران لتمهيد الأرض أمام انتشار القوة الدولية الضاربة التي تريدها إسرائيل من اجل حماية حدودها وسكانها وإبعاد حزب الله وصواريخه.
اللبنانيون قابلوا المجزرة الرهيبة بموقف موحد سياسي وروحي، حكومي وحزبي وشعبي والدنيا كلها انفجرت تدين العدوان الإسرائيلي، وأغلبيتها الساحقة أخذت ترفع صوتها أعلى فأعلى مطالبة بوقف إطلاق النار والحرب.لكن كل الدنيا لم تنجح باتخاذ قرار من قبل مجلس الأمن بإدانة المجزرة ومحاسبة مرتكبيها، ذلك ان كل الدنيا لم تنجح لا في إقناع إسرائيل بوقف العدوان ولا بإقناع الولايات المتحدة بالضغط على حليفتها من اجل وقف النار.
ليست الولايات المتحدة وحدها التي لم تستجب لنداء وقف المجازر البشرية، فقد فشل مجلس الأمن الا في إصدار بيان عام، لم يرض حتى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان الذي ابدى انزعاجه لذلك، وفشل أيضا الأوروبيون الذين اجتمعوا خصيصا لهذا الغرض بعد يومين من وقوع المجزرة، فثمة ألغام أميركية في الاتحاد الأوروبي أهمها بريطانيا التي تستمرئ التذيل للولايات المتحدة.
لعل الاسوأ من كل ذلك، ان الحكام العرب لم يتداعوا لعقد اجتماع، أو قمة تستدعيها حرب طاحنة تجاوزت أسبوعها الثالث على بلد عربي شقيق صغير بمساحته وقدراته وعدد سكانه. لقد فشلت المحاولات التي بذلها بعض الرسميين العرب لعقد قمة جرت اتصالات من اجلها بعد اجتماع وزراء الخارجية الذي انعقد بعد ثلاثة أيام من اندلاع الحرب.
لا نعتقد ان غياب قمة عربية يعود لأسباب وعوامل لوجستية، ففي اليوم الذي وقعت فيه مجزرة قانا أطلقت ماليزيا باعتبارها رئيسة منظمة المؤتمر الإسلامي دعوة إلى عقد قمة عاجلة في نهاية الأسبوع الذي وقعت فيه المجزرة. من الواضح ان الموقف العربي الرسمي بصفة عامة، قد تجاوز حالة التخاذل التي يتميز بها منذ فترة، إلى الموافقة أو التوافق مع العدوان، الراغب في منح إسرائيل المزيد من الوقت لانجاز أهداف الحرب، ومن بينها طحن حزب الله كما قال بوش، حسبما صرح وزير خارجية قطر في لقاء مباشر مع قناة الجزيرة إثر وقوع المجزرة.
والواقع انه لو انعقدت القمة العربية فإن المواطن العربي قد تعود على أن لا ينتظر منها أملا، كما ان المقاومة اللبنانية التي تخوض الحرب لم تكن تنتظر من القمة العربية سوى أن ترفع الغطاء العربي عن العدوان كما أشار إلى ذلك بوضوح سيد المقاومة حسن نصر الله في حديث استمع اليه الجميع.
والحقيقة هي ان مجزرة قانا لم تكن سوى محطة اشد بشاعة من مسلسل عدواني تميز منذ يومه الاول بحقد إسرائيلي مدمر، استهدف كل البنية التحتية للبنان واستهدف كل المناطق وكل البشر، وأدى إلى تهجير ما يقرب من مليون لبناني، وتدمير ألاف البنايات والمساكن والمنشآت وقتل أكثر من ألف مدني وجرح آلاف، وبدون تمييز بين شاب وكهل أو طفل، او امرأة.
لقد دمر العدوان كل شيء الا ما جاء لتدميره وهو حزب الله، بقيادته ومقاتليه ومقراته وصواريخه وبنيته اللوجيستيه وارادته، فالصواريخ التي سقطت فوق المدن والمستوطنات الإسرائيلية خلال اليوم الثاني لبدء العمليات البرية كانت أكثر من أي يوم سابق، رغم ادعاءات إسرائيل المتواصلة بأنها دمرت الجزء الأكبر من ترسانة صواريخ حزب الله.
لم يتحرك احد ممن يملكون القدرة على التحرك لوقف هذه المجازر الرهيبة التي تشكل انتقالة نوعية في أخلاقيات الحروب والصراعات، اذ ان ما يجري في لبنان وفلسطين والعراق يطيح بكل المنظومة القانونية التي يدعي الرئيس الأميركي ان بلاده ستواصل حربها بلا هوادة ضد الإرهاب من اجل حماية ونشر قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وفيما تستمر ببطء العملية الإسرائيلية البرية، وتتكبد القوات المعتدية خسائر فادحة اعترف بها المسؤولون السياسيون والعسكريون الإسرائيليون، وفيما تعتقد رئاسة الاتحاد الأوروبي في تصريح علني عقب المجزرة، ان من المستبعد ان تحرز العمليات الإسرائيلية نجاحا ضد حزب الله، فقد بدا ايهود اولمرت «واثقا» مما تقوم به قواته اذ يقول «بعد هذه الحرب لن يجرؤ احد على إطلاق الصواريخ على إسرائيل».
يقصد اولمرت انه سيعوض فشل فواته البرية في تحقيق انجازات على الأرض كافية لتحقيق الأهداف من وراء الحرب، فإن انفلات الوحشية الإسرائيلية بدون قيود ضد كل شيء في لبنان وانفلاتها سياسيا من أيه قيود في ظل الحماية الأميركية، من شأنه ان يردع أي طرف يحاول المساس بإسرائيل، وإلا عليه أن يتحمل الثمن الباهظ الذي سيتكبده نتيجة هذه المحاولة.
المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في قانا كانت بوعي وإصرار وتستهدف رفع التكلفة، وأيضا التغطية على فشل حملتها وعدوانها، لإرضاء غرور الإسرائيليين الذين انتظروا من «الجيش الذي لا يقهر»، انجازات وانتصارات سريعة وكبيرة. فضلا عن ذلك جاءت المجزرة بعد ساعات من حديث متلفز لسيد المقاومة حسن نصر الله، الذي تحدث فيه عن الانتصار القادم ووعد الإسرائيليين بمزيد من الصمود والمفاجآت، وكان القصد من المجزرة خلق حالة من الإحباط لدى اللبنانيين ومن يساعدهم أو يؤيد خيارهم.
الحرب مستمرة وما مضى منها يؤكد ان الجيش الإسرائيلي «الذي لا يقهر» قد تمرغ انفه في التراب، ولم يحصد سوى الفشل حتى لو انه تمكن من تحقيق بعض التقدم على الأرض الذي تأمل قياداته تحقيقه. الضعف الإسرائيلي يظهر بوضوح في حديث المسؤولين الذين يطالبون بأسابيع من اجل تحقيق الأهداف، بينما ضاق العالم ذرعا لطول الوقت والتداعيات الناتجة عن ذلك.
حتى الإدارة الأميركية التي تريد إعطاء إسرائيل المزيد من الوقت، أخذت تتحدث عن أسابيع، اعتقادا منها ان ما لم يتم إحرازه في الميدان بالكامل، يمكن استكماله عبر السياسة ودهاليزها. في كل الأحوال فإن الحرب تركت آثارا عميقة ليس اقلها ما تولده لدى الأجيال الحالية والقادمة من حقد وكراهية ضد السياسات الأميركية الإسرائيلية، وستتمخض عن شرارات قد تحرق السهل كله.
كاتب فلسطيني