في عام 2001 أجرت الحكومة البريطانية عدة دراسات حول كيفية تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الحكومة، فتوصلت إلى نتائج كان أهمها هو تعليم المجتمع أهمية الادخار المالي للمستقبل، فبدأت الحكومة بإدخال مجموعة من المواد التعليمية في المناهج الدراسية لتأسيس الأجيال القادمة على مفاهيم إدارة الأموال وأهمية الادخار وفوائده في المستقبل.

ثم قامت الحكومة بتأسيس صندوق استثماري اسمه «صندوق ودائع الطفل» تقوم فكرته على أساس ادخار واستثمار مبالغ مالية بسيطة للأطفال تكون لهم عوناً على تلبية احتياجاتهم المستقبلية. حيث تقوم الحكومة بوضع 250 جنيهاً إسترلينياً في حساب الطفل عندما يولد، ويقوم الأبوان أو أولياء أمر الطفل باختيار إحدى المحافظ الاستثمارية - على أن تكون معتمدة من الحكومة - لاستثمار هذا المبلغ، بالإضافة إلى مبلغ يستقطع شهرياً من حساب الأب أو الأم أو أحد الأقارب أو الأصدقاء ليضاف إلى حساب الطفل في المحفظة الاستثمارية، على ألا تتعدى المبالغ المودعة في السنة 1200 جنيه إسترليني.

أما بالنسبة للأطفال المنتسبين إلى أسر فقيرة فإن الحكومة تودع في حسابهم مبلغ 500 جنيه إسترليني كجزء من مساعداتها الاجتماعية لهذه الأسر. وعندما يبلغ الطفل سن السابعة تقوم الحكومة بإيداع مبلغ إضافي في حسابه لمساعدة أمواله على النمو ولتشجيع الأبوين على زيادة المبالغ المستثمرة في حساب أطفالهم. وللوالدين الحرية في اختيار نوعية الاستثمار الذي يرغبان في إيداع أموال أطفالهما فيه،

حيث تتنوع صناديق الاستثمار بين طويلة الأجل وقصيرة الأجل، والاستثمار في الأسهم أو العقارات إلى غير ذلك من أوجه الاستثمار المعتمدة من هيئة الخدمات المالية التي تعتبر المدقق المالي التابع للحكومة ، والجدير بالذكر أن الحكومة راعت في اعتمادها للمحافظ الاستثمارية تنوع استثماراتها لتتناسب مع مختلف المعتقدات الدينية وخصوصاً الاستثمارات الإسلامية.

وخلال فترة الاستثمار تمنع الحكومة أولياء الأمر من سحب أموال أطفالهم حتى بلوغهم سن الثامنة عشرة وهي السن القانونية في بريطانيا التي عندها يستطيع الطفل فقط - والذي لم يعد طفلاً بعد الآن - أن يسحب أمواله التي استثمرت له خلال هذه السنين ليستخدمها كيفما يشاء، إلا أنه خلال فترة الاستثمار يحق للطفل أو الأبوين تغيير نوعية المحافظ الاستثمارية بما يتفق مع خططهم المالية.

إن مفهوم التوفير للمستقبل هو أحد المفاهيم التي تسعى الدول الغربية لتعزيزها لدى أفرادها، ففي أميركا مثلا تسعى الحكومة إلى تشجيع أفراد المجتمع لادخار أموالهم ووضعها في أصول تكون لهم عونا على أعباء الحياة، كخطط الادخار لشراء منزل في المستقبل أو الاستثمار في صناديق تقاعد تدر على الفرد مبلغاً ليس بزهيد عندما يتقاعد، بالإضافة إلى الادخار لتوفير مصاريف التعليم العالي أو للاستثمار في مشاريع صغيرة تؤمن للأسرة دخلاً جيداً، لذلك نجد أفراد المجتمعات الغربية يتحلون بروح استثمارية ويسعون طوال حياتهم لتأسيس مشروع تجاري أو امتلاك شركة تجارية كجزء من أحلامهم وطموحاتهم.

ولقد وفرت الحكومة البريطانية عدة حوافز لتشجيع الأسر على تنمية الأموال المدخرة لأبنائها، فجميع الأموال المدخرة في صندوق ودائع الطفل معفية من الضرائب، كما توفر الحكومة دورات تدريبية وخدمات استشارية مجانية للأسر في مفاهيم الاستثمار وكيفية تحليل الخيارات الاستثمارية المتوفرة. وعند بلوغ الطفل السن القانونية يحق له أن يبقي أمواله في صندوق ودائع الطفل، ولكن تبدأ الحكومة بفرض ضريبة على هذه الأموال كأي أموال مودعة في أي صناديق استثمارية أخرى، وهي بذلك تعطي الفرد الحرية في تنمية أمواله والانخراط في قطاع الأعمال في وقت مبكر من حياته.

ربما لم تؤتِ هذه الصناديق أكلها حتى الآن، إلا أن الدراسات التي قامت بها الحكومة تشير إلى أن إيداع مبلغ 250 جنيها عند الولادة بالإضافة إلى تحويل الأب 40 جنيها إلى حساب ابنه شهرياً، سيوفر للابن عند بلوغه السن القانونية أكثر من 14 ألف جنيه إسترليني وهو ما يعادل 47% من تكلفة التعليم العالي للشخص في بريطانيا أو نصف قيمة الدفعة الأولى لشراء منزل.

إن مثل هذه المشاريع هو حق للأجيال القادمة على الحكومة، فبالرغم من كون بعض الأسر راغبة في الادخار أو قل الاستثمار المستقبلي لأبنائها إلا أنها لا تعرف كيف تقوم بذلك، وهو الدور الذي يجب أن تضطلع به الحكومة بالتعاون مع البنوك والمؤسسات المالية، وهو من ناحية أخرى إعداد لجيل جديد مستوعب لقيمة الأموال المتوفرة بين يديه وقادر على حسن إدارتها، وحتى تستطيع الحكومة أن تخفف من أعباء التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وغير ذلك من التزامات أثقلت كاهلها ودفعت بأفراد المجتمع إلى الاعتماد عليها في جميع متطلبات الحياة، وحتى يكون الجميع، حكومة وأفراداً مستعدين للأيام الممطرة

باحث اماراتي

yasser.hareb@gmail.com