استيقظ العالم صباحَ يوم الأحد، المصادف الثلاثين من يوليو المنصرم، على خبر واحدة من أبشع جرائم الحروب التي نفذت بدم بارد، فقد قصف الطيران الحربي الإسرائيلي مبنى في مدينة قانا اللبنانية التجأت إليه مجموعة من المدنيين الذين شردتهم الحرب المجنونة التي أشعلتها إسرائيل منذ ما يزيد على الثلاثة أسابيع. بلغ عدد قتلى القصف قرابة الستين بينهم 37 طفلاً حسب ما صرح به الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. وتأتي هذه الجريمة البشعة بعد مرور عشر سنوات على جريمة مماثلة في المكان نفسه. لقد أفرزت هذه العملية عدة أمور هامة في سياق الأحداث الساخنة في المنطقة أبرزها:
1. تَغيرٌ نحو الصلابة في الموقف الرسمي للبنان، فقد جاء على لسان رئيس وزرائه فؤاد السنيورة رفض الدخول في أية مفاوضات ما لم يتم وقف فوري لإطلاق النار دون شروط مسبقة، وهذا بالمعنى الدبلوماسي رفضٌ لاستقبال وزيرة الخارجية الأميركية التي كانت تزمع المجيء إلى بيروت بعد أن أكملت مهمتها في تل أبيب، وهو فوق ذلك يعني بأن دولة صغيرة، رغم كل جراحها الغائرة، لا تزال تحمل بقايا كبرياء.
2. توحد القوى الداخلية اللبنانية بكافة أطيافها خلف المشروع الوطني الذي طرحه رئيس الوزراء.
3. زيادة سقف المطالب اللبنانية فيما يتعلق بتبادل الأسرى، وهو ما ورد على لسان رئيس مجلس النواب نبيه بري المُفوض بالتفاوض عن تبادل الأسرى.
4. تصدع في الموقف الرافض لوقف إطلاق النار والمساند للعدوان على لبنان، وقد تجلى ذلك واضحاً في موقف رئيس مجلس العموم البريطاني جاك سترو، وزير الخارجية السابق، الذي يقود حركة تمرد معارضة لرئيس الوزراء البريطاني الحليف للولايات المتحدة، وكذلك في تصريح وزيرة الخارجية البريطانية التي وصفت قصف قانا بأنه عمل مروع، وموقف المفوضية الأوروبية المشابه، واستنكار فرنسا الشديد الوضوح ومطالبتها بالوقف الفوري لإطلاق النار.
لقد فشلت منظمات إقليمية ودولية في مواجهة ما تتطلبه هذه الأحداث من مواقف، بسبب الهيمنة الأميركية على السياسة الدولية، فعلى المستوى الإقليمي عبرت الجامعة العربية عن عجزها عن مواجهة هذه الأحداث حينما فشلت في التوصل إلى اتفاق على موقف موحد في اجتماعها في القاهرة، وعلى المستوى الدولي بقي مجلس الأمن في موقف المتفرج، لأول مرة في تاريخه، حيث كان يسارع في مناسبات مماثلة إلى إصدار قرار بإيقاف إطلاق النار تمهيداً للمفاوضات، وليس العكس كما يجري حالياً.
ورغم موجة الاستنكار التي عمت عواصم العالم لما ترتكبه إسرائيل من مجازر في لبنان، بقي الموقف الإسرائيلي، الممعن في غطرسته والمفرط في ازدرائه للرأي العام العالمي، على حاله بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، وهو الاستمرار بالعمليات العسكرية. فقد صرح رئيس وزرائها أولمرت بأن إسرائيل ليست على عجلة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وورد على لسان مسؤوليها العسكريين بأن إسرائيل بحاجة إلى المزيد من الوقت قد يصل أمده إلى أسبوعين لاستكمال مهمتها.
ومع تراجع كثافة الغارات الجوية في الأيام الأخيرة، ثم تعليقها لمدة ثمان وأربعين ساعة، إلا أنه لا يدل أبداً على رغبة في التخفيف عن المعاناة الإنسانية لمئات الآلاف من اللبنانيين، بين نادب لفقيد ومشرد يهيم على وجهه، بل يشير إلى أنه لم تعد هنالك أهداف تصلح للقصف، فالكثير من هذه الأهداف قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بزيارتها أكثر من مرة، كما أن كثافة نيران المدفعية قد تضاعفت على القرى والمدن الجنوبية تمهيداً للاجتياح البري الواسع الذي بدأ في الأول من أغسطس الحالي.
لقد عَزفت إسرائيل، ولعدة عقود من السنين، على وتر الدولة المسكينة، الدولة الديمقراطية المتحضرة الوحيدة في المنطقة، المحاطة بغابة من الوحوش الذين يتحينون الفرص للفتك بها، وبررت بذلك عدداً لا يحصى من العمليات العدوانية تراوحت بين الخروقات البرية والبحرية والجوية لأراضي ومياه وأجواء الدول المجاورة لها وبين ممارسة الخطف والقتل والتهديد والتخريب والتجسس، زادت في لبنان وحدها على أحد عشر ألف عملية كما صرح بذلك رئيس البرلمان اللبناني في مقابلة مع إحدى القنوات الفضائية، ومارست إسرائيل كل ذلك تحت غطاء العطف الدولي الذي تمتعت به ولا تزال.
ما الذي تسعى إليه إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة من هذه الحرب؟ تساؤل في محله، أما الإجابة عنه فهي بسيطة للغاية تكمن في معرفة ما هي نقاط الالتقاء بين مشروعي الدولتين. فالمعروف أن مشروع الشرق الأوسط الجديد هو مشروع إسرائيلي طرحه شمعون بيريز قبل عدة سنوات، يؤمن لإسرائيل موقعاً متميزاً في المنطقة على حساب مصالح جيرانها، وقد طرح هذا المشروع كبديل لمشاريع بعض الدول العربية التي تستند على المشتركات في الثقافة والتاريخ للدول العربية والتي انتعشت إبان عنفوان المشاريع العروبية.
أما مشروع الشرق الأوسط الكبير، فهو مشروع أميركي لا يضم الشرق الأوسط التقليدي الذي تريده إسرائيل فقط، وإنما يتعدى ذلك ليشمل مساحة جغرافية أوسع تضم ستا وعشرين دولة بضمنها جميع الدول العربية، إضافة إلى تركيا وإيران وإسرائيل و الباكستان وافغانستان. وقد طرح هذا المشروع بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث وُظف ذلك الحدث الهام في التأريخ الأميركي لتنفيذ السياسة الأميركية الجديدة في إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط وفق مصالحها الاستراتيجية من منطلق محاربة الإرهاب في العالم.
إن نقاط الالتقاء المشتركة بين المشروعين هي مصالح الطرفين في صناعة شرق أوسط جديد أو كبير، فذلك لا يهم كثيراً، المهم أن تكون دوله ضعيفة، ليس في أجندتها خطط استراتيجية طموحة، اقتصادها مرهون بيد الولايات المتحدة، شرق أوسط تكون فيه إسرائيل الدولة النووية الوحيدة. والآن وبعد أن أشعلت إسرائيل حرباً غير مبررة ضد دولة ليس في أجندتها خطط معادية، وبعد أن قامت بهذا الحجم من التدمير في البنى المدنية، وقتلت ما يزيد على الألف من المدنيين وشردت ما يقرب من مليون شخص،
أليس من واجب المجتمع الدولي، أفراداً وشعوباً وحكومات، العمل على إعادة النظر بمنظومة القيم الدولية التي من مسلماتها، وعلى مدى أمد طويل، تحيز نحو إسرائيل؟ فمن هو الطرف الضعيف الذي تُنتهك حرماته ويُنكل به بين الحين والآخر طيلة هذه العقود من السنين؟ أهي إسرائيل أم لبنان وفلسطين؟
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae