في منتصف يوليو الماضي اجتمع القادة الثمانية الذين تشكل أقطارهم مجموعة البلدان الصناعية وهو اللقب أو الشعار المرادف لمعنى أكثر بلدان العالم تقدما وربما أوسعها تأثيرا وأعمقها نفوذا.

التأم الاجتماع كما هو معروف في مدينة بطرسبورغ وهي المدينة رقم 2 في روسيا بعد موسكو العاصمة.. وإن كان هناك من لا يزال يعدها الحاضرة الروسية رقم واحد.. أولا لأنها كما يتندر مراقبو الشأن الروسي الراهن مسقط رأس فلاديمير بوتين ساكن القصر الرئاسي في الكرملين، وثانيا، لأنها مدينة عريقة من حيث المعمار والمتاحف وأيضا من حيث تاريخ بطرسبورغ التي كانت العاصمة المفضلة في عهد آل رومانوف، قياصرة روسيا الذين أطاحت بهم الثورة البلشفية في أكتوبر من عام 1917.

وآية ذلك هو أنهم اختاروا المدينة لتحمل اسم القيصر بطرس الأكبر (1682-1725) وهو إمبراطور روسيا الذي يرجعون إليه الفضل في تحديث بلاده وفي الوصل بينها وبين قارة أوروبا وقد تم له ذلك بفضل البعثات التي أوفدها إلى غرب أوروبا إضافة إلى جهوده كي تلحق روسيا بركب الثورة الصناعية التي كانت في حالة بزوغ في تلك الفترة..

لا عجب أيضا أن يكون هو الحاكم الذي قرر نقل عاصمة بلاده من موسكو إلى بطرسبورغ التي حملت اسمه كما أسلفنا، وخلال الحقبة السوفييتية حملت المدينة اسم زعيم البلشفية لينين إلى أن استعادت بطرسبورغ اسمها القيصري القديم في عقد التسعينات من القرن العشرين.

ويبدو أن مفتاح الشأن الروسي الراهن يتمثل في لفظ «الاستعادة». لقد عاشت روسيا منذ الثلث الأخير من القرن الماضي مرحلة جمود ومراوحة في المكان كما قد يقال.. وخاصة في السنوات الأخيرة من حكم بريجنيف حيث بات ماثلا للعيان إفلاس النظرية الشيوعية وتصدع بنيان التجربة السوفيتية الذي انقضّ على أطلال الدوغما الإيديولوجية التي جمدت الأفكار والمبادرات وعطلت الابتكارات والاجتهادات..

وإذ تولى جورباتشوف تفكيك الاتحاد السوفييتي جاء من بعده بوريس يلتسين فأجهز على ما تبقى من قدرات روسيا دون أن يضيف شيئا ولا يبني صرحا.. بل تحولت موسكو في عهده - مع عقد التسعينات - من عاصمة القطب الثاني المنافس في العالم ضد القطب الأميركي إلى حيث أصبحت موسكو عاصمة لا يؤبه لها ولا يسمع منها.

هكذا عاشت روسيا مع مقدم القرن الحادي والعشرين ما أصبح المراقبون يطلقون عليه «أزمة الهوية». وفي غمار هذه الأزمة تولى رئاسة الدولة الروسية وجه جديد تربى بين صفوف المخابرات السوفييتية العتيدة (كي. جي. بي) ثم دخل ساحة السياسة ومنها إلى الكرملين ليمثل جيلا جديدا.. يتمتع بشباب نسبي (النسبية هنا إلى جيل بريجنيف وحتى يلتسين) ويتناقض أسلوبه مع نهج جورباتشوف الذي دعا إلى المكاشفة (جلاسنوست) ودعا إلى إعادة البناء (بيريسترويكا) دون أن يستند في هذا كله إلى شخصية قوية.. صامدة أو مؤثرة فكان أن اجتاحته تيارات الأحداث.

القادم الجديد هو بوتين الذي لم يتردد في استغلال اجتماع القادة الثمانية الأخير في مدينته المفضلة لكي يخرج على العالم في إهاب جديد هو إهاب روسيا التي صممت على أن تتحرك وأن تستعيد، ولو جزء من المكانة الدولية، التي كانت تتمتع بها في شرق العالم وفي غربه.

في هذا السياق يقول المحلل السياسي الأميركي.. «سي شيفرز»:

عندما كان بوتين يرحب بالقادة السبعة الكبار في نادي بطرسبورغ العريق.. كان الرئيس الروسي يشفع هذا الترحيب برسالة واضحة ومحددة تقول: روسيا عائدة والكرملين قرر أن يستعيد مكانته. (نيويورك تايمز 16/ 7/ 2006).

وبديهي أيضا أن المكانة لا بد وأن تستند أساسا إلى المكان أو على نحو ما كان العلامة المصري الراحل جمال حمدان يصفه بأنه تفاعل الموقع والموضع، أي تفاعل دور الدولة - الأمة مع موقعها الجغرافي سواء من حيث التضاريس والمساحة والسكان وأيضا من حيث الثقافة والموارد ومنظومات القيم وتراث التاريخ وشبكة العلاقات الإقليمية والدولية.

ويبدو أن فترة الاستخبارات التي تدرب خلالها بوتين قد صقلت رؤيته إلى دور بلاده وإلى حقيقة انتماءاتها باعتبار أنها تمتد شرقا وجنوبا إلى أصقاع القارة الآسيوية في حين تمتد غربا عبر جبال الأورال إلى حيث تشكل الذراع الشرقية للقارة الأوروبية التي تنتمي روسيا إلى مجموعة شعوبها السلافية.

في هذا الصدد أيضا يعترف الدكتور أندرو كوتشيبنس وهو خبير في الشؤون الروسية بأن السنوات العشرين الأخيرة شهدت روسيا وهي تكاد تفقد قدرتها على تحديد المسار. كانت التركة السوفييتية ثقيلة، وكان فساد حقبة يلتسين ضاربا أطنابه.. لدرجة أن روسيا كما يراها الخبير المذكور أصبحت أقرب إلى الدول الفقيرة المعوزة في السنوات الأخيرة من عقد التسعينات.

نفس الخبير يعزو الفضل إلى الرئيس بوتين الذي عمد إلى القبض على مقاليد السلطة وأشاع قدرا من الانضباط وخاصة في أوساط البيزنس وبيروقراطية الدولة وإن كان العامل الذي أتاح النجاح الحقيقي لبوتين جاء ممثلا في ارتفاع أسعار البترول (روسيا هي أكبر مورد للبترول المستهلك في غرب أوروبا).. وقد نزيد القول بأنه لو كانت نفس العائدات النفطية الطائلة قد جاءت خلال مرحلة يلتسين لوجدت من يلتهمها ومن يتحول بها إلى خارج الحدود خاصة وقد كان القوم أيامها ينصبون مزادات وهمية ويبيعون أهم المؤسسات وأثمن ممتلكات الدولة من شركات القطاع العام بأبخس الأسعار. المهم - يقول الكاتب الأميركي شيفرز:

لقد حققت أسعار البترول قفزتها الكبرى وأفادت منها حكومة فلاديمير بوتين فكان أن سددت روسيا ديونها وبدأت تدرج على طريق الانتعاش.

رغم هذا النجاح الذي أنجزه كرملين - بوتين على جبهة الاقتصاد، ورغم أن روسيا ما زالت تعاني أمراضا اقتصادية واجتماعية بلغت حد الجريمة المنظمة والتمييز العنصري (الجارديان البريطانية، 12/ 7/ 2006) فإننا نتصور أن النجاح الأهم سوف يتجسد على جبهة السياسة.. وبالذات عندما تحدد زعامة - أو فلنقل قيادة - بوتين هوية روسيا الحقيقية ومن ثم تتبلور بالذات خطوط سياستها الخارجية وخاصة بالمقارنة مع سياسة المحافظين الجدد الراهنة في أميركا.

في هذا الإطار نكاد نلمح مسارا مزدوجا للسياسة الروسية الراهنة التي تنقل خطاها بحذر أحيانا وفي تردد أحيانا وربما في تعثر في بعض الأحيان. وغير خاف أن الكرملين بات يدرك بيقين زحف المحالفة الغربية الأطلسية إلى قرب حدود بلاده..

سواء بانضمام بولندا، الجارة الغربية المتاخمة حدوديا أو بوصول النفوذ الأوروبي - الأميركي. إلى دويلات لتوانيا واستونيا ولاتفيا المجاورة شاطئيا لروسيا في بحر البلطيق. ويحرص بوتين - كما يشير اجتماع بطرسبورغ الأخير - على تدعيم مكانة روسيا بوصفها في نادي الثمانية الكبار، وهم ليسوا فقط الأكثر تقدما في مضمار التصنيع، ولكن لأن أغلبهم أعضاء في ناد آخر، أشد خطرا وخطورة وهو نادي الدول الحائزة للأسلحة النووية.

رغم هذا الحرص على طابع الأوربة من جانب موسكو، إلا أن ثمة مراقبين من المعسكر الأميركي المنافس، لهم رأي آخر، وهو رأي يثير ولا شك قلقا لدى صانع السياسة في واشنطن.. وقد عبر عن هذا الرأي دراسة نشرتها مجلة الشؤون الخارجية (فورن أفيرز) في آخر أعدادها (أغسطس 2006) تحت عنوان لا تخفى دلالته وهو:

- روسيا تغادر الغرب.

صاحب الدراسة باحث يومئ اسمه إلى أصله الروسي وهو ديمتري ترينين نائب مدير مركز كارنيجي للدراسات في موسكو. ويذهب كاتب الدراسة إلى أن روسيا ذاقت بل تجرعت مرارة الاستهانة بها من جانب مجامع دول غرب أوروبا وأميركا..

ولأن الكرملين - تضيف الدراسة - يريد روسيا بلدا كبيرا فالنتيجة أن دول الغرب لن ترحب بروسيا الباحثة عن هذه المكانة الكبرى إذ ستكون منافسا قويا وربما يستعيد شراسة الدور السوفييتي الذي كان. ولذلك ترى روسيا أن تعاطيها مع دول الشرق - في آسيا وربما في الشرق الأوسط ومنها بحكم منطق الأمور إلى إفريقيا وأميركا اللاتينية - هذا التعاطي هو الكفيل في رأي سياسة الكرملين الخارجية بأن تصل موسكو إلى المكانة التي تطمح إليها.

وهنا تقول سطور الدراسة أيضا: أمام روسيا خيار بين أن تقبل الوصاية (من أوروبا وأميركا) وبين أن تلتمس مكانة الدولة الكبرى جنبا إلى جنب مع أميركا والصين بدلا من أن تقنع بصحبة دول مثل البرازيل أو الهند.

والمعنى أن روسيا تستعد للعودة أو للاستعادة ولكن دون وصاية دول المحالفة الأطلسية التي ظلت تتفرج عليها أيام محنة التسعينات.

ولهذا نجد الكاتب الأميركي شيفرز الذي ألمحنا إليه يعمد إلى اختيار عنوان طريف للمقالة التي نشرها في نيويورك تايمز ويقول العنوان:

روسيا عائدة، وهي تستعد للانطلاق.. لكنها رجاءً ليست بحاجة إلى إلقاء محاضرات على مسامعها.

كاتب مصري