هذه هي المرة الثالثة في ثلاثة أعوام فقط تكشف فيها الولايات المتحدة الأميركية عن استراتيجية، أو خطة شاملة، للتعامل مع وضع ومستقبل منطقة «الشرق الأوسط». تدرجت من «الشرق الأوسط الكبير» إلى «الموسع»، والآن تتحدث واشنطن عما تسميه «شرق أوسط جديد» سيولد من بين أشلاء اللبنانيين والفلسطينيين المتناثرة في كل مكان، وبيوتهم المتهدمة، ودموعهم المنسكبة غزيرا على فقد ذويهم وتشريدهم، وآلامهم المفرطة من عدوان بشع، يعيد إلى الأذهان ما كان يفعله النازيون.

والمسمى الأميركي الثالث للشرق الأوسط يعني من دون أي مواربة أن الخطتين السابقتين قد فشلتا تماما، بفعل وجود مضغة حية في الجسد العربي الذي تراه واشنطن وحليفتها المدللة تل أبيب قد تراخى وهمد وخمد بعد أن سكنته علل كثيرة.

وهذه المضغة هي «المقاومة» في العراق وفلسطين ولبنان، و«الممانعة» الشعبية في بقية الدول العربية، التي تتصدى منذ عقود عدة لكل من يريد أن يجهز على «النظام الإقليمي العربي» لحساب نظام شرق أوسطى تتمتع فيه إسرائيل بميزات مطلقة، وعلى الأحلام التي لم تمت بعد في قدرة الشعوب العربية، إن امتلكت ناصية قرارها، أن تنفخ في أوصال «العروبة» فتحييها نظاماً فاعلاً وفكرة وتصوراً متكاملاً.

إن الولايات المتحدة في خططها المتتابعة تدرك مدى أهمية منطقتنا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم وتمثل معبرا حيويا لحركة التجارة العالمية بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة ودول جنوب شرق آسيا من جهة ثانية وكذلك ممرا للأساطيل الحربية الغربية. وهناك أمور «طارئة» ضاعفت من موقع هذه المنطقة بالسياسات الأميركية في السنوات الأخيرة، ترتبط بموضوع «أمن إسرائيل» ومواجهة ما تطلق عليها واشنطن دول «محور الشر» أو «الجماعات والتنظيمات الإرهابية».

فعقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر قفز الاهتمام بالشرق الأوسط إلى درجة عالية، لأن الأمر، هذه المرة، تعلق بمصالح أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم وهي الولايات المتحدة، وأصابع الاتهام أشارت إلى فريق من «المتطرفين الإسلاميين» في ارتكاب هذه التفجيرات.

في الشرق الأوسط الكبير والموسع، حسب الاصطلاح الأميركي، كانت واشنطن تؤكد على أنها ستبذل ما في وسعها لإحلال الديمقراطية في المنطقة، وتعزو ذلك إلى أنه قد استقر في يقينها ورسخ في ذهنها أن الإرهاب ابن الاستبداد. لكنها في «الشرق الأوسط الجديد» لا تعنيها الديمقراطية من قريب أو بعيد، بل إنها وجدت في الإصلاح السياسي خطرا على مصالحها، حين تأكد لها أن البديل للأنظمة العربية الحاكمة هو «الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي».

أما ما يعني الولايات المتحدة في المقام الأول فهو إسكات صوت المقاومة العربية تماما، فلا يكون لها وجود في فلسطين ولا لبنان ولا العراق، وتقويض قدرة الشعوب العربية على «الممانعة»، بما يعبد الطريق ويذلل العقبات أمام أغراض واشنطن وأهدافها في منطقتنا، ويجعل من إسرائيل القوة المتجبرة الرادعة المهيمنة على كل العرب.

لكن يبدو أن الأميركيين لم يقرأوا تاريخ المنطقة جيداً، ولا يعرفون الكثير عن تقاليدها وعاداتها، ولا عن بنيتها الاجتماعية والثقافية، ولا يدركون حجم ما يخلقه التمسك بالقيم الدينية الروحية في النفوس من قدرة على الممانعة والمقاومة.

ومن ثم فإن مشروعهم الجديد لا محالة فاشل، وربما تكون المرة الأخيرة التي تتحدث فيها الولايات المتحدة عن مسمى للشرق الأوسط، ليس له من تجسيد في الواقع، ولا يحل إلا في أوهام الأميركيين، خاصة من إدارة بوش التي تعميها غطرسة القوة عن الحقائق الجلية والبراهين الناصعة. لقد آن الأوان، بعد أن أثبت المقاومون العرب البواسل أننا ما زلنا أمة حية، أن تشارك دول المنطقة في صناعة مصيرها، ولا تكتفي بكونها موضعا للأحداث.

sultan@dmi.gov.ae