بعد نجاحها في استدراج القضية الفلسطينية وإخراجها عن مظلة الأمم المتحدة وشرعية ضمير المجموعة الدولية بمحاصرتها في خارطة طريق غير واضحة المعالم وقبر القرارات الأممية، ها هي الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية تناوران للزج بلبنان في ذات المتاهة بفرض قوات دولية تشكلها قوى غربية مساندة لإسرائيل، ليست خاضعة لوصايتها.
الولايات المتحدة الأميركية ماضية في التأسيس لشرق أوسط جديد وخريطة سياسية جديدة تقع تحت التصرف الأميركي دون غيره، بعدما أصبحت القوة الوحيدة في العالم وأعطت لنفسها دور الآمر والناهي في المنطقة.
دور الأمم المتحدة أضحى شيئا من الماضي لأن الإدارة الأميركية لا تريدها أن تحد من طموحاتها بل يجب أن تبقى أداة للتبرير. لم تعد ملامح الرؤية الأميركية الجديدة للشرق الأوسط، الذي وعدت به رايس، خافية، فهي لا تقوم على التسوية ولا على الإصلاح السياسي بل على مقولات المدرسة الواقعية التقليدية في السياسة الخارجية الأميركية، أي موازين القوى والحروب والصفقات والمعاهدات السرية والعلنية، وعدم الاكتراث بقواعد القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
ما يجري في لبنان اليوم هو محاولة لإقامة نظام عميل يقبل بانخراط لبنان في هذا المشروع، وقد جاء استعمال خيار القوة بعد أن تبين ان التيارات السياسية اللبنانية التي عولت عليها أميركا عاجزة عن تحقيق هذا الهدف وان قدرتها على تجنيد الشارع لتزكية المشروع محدودة للغاية، وتأتي هذه العمليات التي تستهدف بالأساس المدنيين وتدمير البنى التحتية كبديل عن فشل إدارة بوش في مخططاتها السابقة في المنطقة.
لقد اختارت الإدارة الأميركية ان تربط منذ اللحظة الأولى بين القضية الفلسطينية والعدوان على لبنان، واعتبرت ان الحل يجب ان يكون شاملاً بحيث تكون نتيجة الحرب هي إعادة ترتيب المنطقة برمتها ،وهذا يعني ان إدارة بوش تعتقد ان الأولوية ستكون إزالة العقبات التي تعترض تجسيد المشروع، وهي حماس وحزب الله وفي مرحلة ثانية سوريا وإيران ومن خلال العمل للقضاء كليا على المقاومة وهو ما يوحي ان المشروع أصبح جاهزا وتبقى لبنان بوابة تنفيذه.
إذن، نحن أمام مرحلة جديدة وخطيرة لفرض المشروع الأميركي سواء بالصفقات أو الحروب والضغوط والتحالفات. المشكلة ليست في الإدارة الأميركية التي لم تأت لنا في كل سياساتها سوى بالخراب والدمار، بل في النظام الرسمي العربي الذي لا يرى في خياراته السياسية إلا المصالح القطرية الأنانية الآنية، ولا يمتلك أي مقومات لإرادة سياسية فاعلة تعطيه على الأقل فضيلة المفاضلة بين الخيارات والتحالفات السياسية.
والحقيقة أن المقصود لا شرق أوسط جديد ولا قديم، بل مغامرة عسكرية أميركية إسرائيلية جديدة تهدف إلى ضرب المقاومة كقوة خارجية وكقوة داخلية، كتيار إقليمي، وكعقبة أمام الهيمنة الأميركية الكاملة على لبنان وتحويل سفارة أميركا إلى مندوب سام جديد على لبنان.
ومن الواضح، في سياق كهذا، ان الهدف الرئيسي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة من وراء هذه الحرب هو منح إسرائيل الفرصة كاملة لتدمير البنية العسكرية لحزب الله ثم الاستدارة بعد ذلك لتصفية حماس وإسقاط حكومتها، وتشكيل تحالف دولي وإقليمي قابل لإغراء سوريا بالانضمام إليه، يعمل على عزل إيران وتقليص نفوذها في المنطقة تمهيدا لتصفية نظامها إن أمكن، وهذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي تعتقد الولايات المتحدة أنه سيولد من رحم الأزمة اللبنانية.