لزهاء عقدين لم يفوت التحالف الأميركي الإسرائيلي مناسبة شرق أوسطية، بدون أن يغمز جهرة أو خفية من قناة صلة حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين بسوريا وإيران. ويدرك كل ذي بصر وبصيرة أن هذا التحالف والداعين بدعوته في الرحاب العربية عمدوا إلى عرض هذه الصلة بحيثية شديدة السلبية..حيثية تصور هذه القوى كأدوات محلية مستلبة لأجندتي دمشق وطهران، كل همهما تنفيذ التوجيهات والتعليمات والأوامر، مقابل تلقي الدعم السياسي والمدد المالي والتسليحي.
لقد افترض هذا التحالف ان عرضا كهذا من شأنه التشكيك في الأهداف والوسائل التي تتبناها القوى المذكورة.بما يؤدي كحد أقصى إلى تصفيتها وفض الرأي العام عنها تماما وطي صفحتها وطنيا، أو إلى عزلها وإضعاف عودها وتقليم أظافرها وتجاوز خطابها التعبوي الراديكالي بحسبه يزعق خارج العصر كحد ادنى. لكننا نوقن مع كثيرين الآن ان واحدا من الأهداف المحشورة بين هذين الحدين لم يتحقق، وأن عكس ذلك هو الصحيح على طول الخط.
ففي الحالة الفلسطينية حمل الناخبون حماس إلى مركز صناعة الحكم والسياسة والقرار. ولولا معادلات بعينها لربما حدث الأمر ذاته مع حزب الله في الحالة اللبنانية.
ما يثير الدهشة بالخصوص ان بؤس هذه النتيجة لم يصرف واشنطن وتل أبيب وبقية عواصم المتذيلين لهما عن مسعاهم. فبين يدي حربهم الساخنة الضروس ضد حزب الله مثلا، لا تخطئ المتابعة مدى إلحاحهم على قضية علاقة الحزب بدمشق وطهران.
حتى يظن غير المطلعين ان ما يجري على الساحة اللبنانية ان هي الا حرب لتحرير لبنان من قوة سورية إيرانية احتلته بليل بقيادة حسن نصر الله!. وفي هذا الإطار تنفي هذه العواصم عن الحزب صفة الأصالة الوطنية على صعيدي الفكر والحركة السياسية. وهي تنحو لتنسيب أي انجازات يحققها الحزب ميدانيا إلى الظهيرين الإيراني والسوري، احدهما أو كليهما.
وبقدر ما يضمر هذا الخطاب نزع الشرعية الوطنية عن نصر الله والذين معه وحوله، فإنه يستبطن طمأنة جمهور الإسرائيليين، الوجلين من صلابة الحزب ومفاجآته، إلى ان مؤسستهم السياسية العسكرية بصدد قوى إقليمية كبيرة وليس مجرد حزب يظل محدود العدد والعدة..
وفي تقديرنا انه ليس أسوأ من المبالغة في مزاعم حدود علاقة حزب الله أو حماس وجماعة المقاومة ببعض القوى الإقليمية، سوى إبداء الغيظ من هذه المزاعم والغلو في محاولة دحضها وإثبات زيفها. إذ أين الحركة أو القوة التحررية التي لم تجتهد في البحث عن محالفين ومؤازرين في البيئتين الإقليمية والدولية؟.. ومنذ متى كان الاجتهاد في هذا الباب عيبا تنبغي مداراته أو مسبة تؤاخذ عليها قوى المقاومة ؟
ما نحسبه عيبا حقيقيا يقع بالضبط في الدفوع والشروحات الأميركية الإسرائيلية التي تخالف سنن فقه التحرير والمقاومة، عندما تحاول تجريم علاقة حزب الله وحماس بدمشق وطهران، ونحسبها شيئا نكرا خارجا عن المألوف..
السوابق وفقه التحرير يؤكدان ان توسيع دائرة المحازبين والأنصار بالنسبة لحركات المقاومة، هو احد مداخل تعديل موازين القوة التي عادة ما تكون مختلة لصالح الغزاة المستعمرين. وبدورها تحفل خبرات المد الاستعماري بنماذج وأنماط العون المتبادل بين القوى الاستعمارية.. هذا وإلا ما معنى وما تفسير اعتمادية المشروع الصهيوني الاستيطاني منذ كان فكرة إلى ان أمسى دولة، وصولا إلى ساعتنا هذه، على الظهير الغربي، تحت زعامات مختلفة آخرها الزعامة الأميركية؟
ما الذي يبقى لإسرائيل من مكونات القوة والتفوق على العرب أجمعين إذا ما استبعدت هذه الاعتمادية أو الشراكة؟ أين الحكمة العقلية والنزاهة السياسية في إدانة علاقة المقاومين. شأن حزب الله وحماس بدمشق وطهران، في اللحظة التي تستقبل فيها إسرائيل المدد الأميركي المبسوط من الفيتو في مجلس الأمن إلى شحنات الأسلحة والذخائر الذكية والغبية عبر مطاراتها وموانئها ؟
لا يمكن تفهم عوار وازدواجية المنظور الأميركي الإسرائيلي لعلاقة حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية ببعض قوى محيطها الإقليمي، إلا في سياق الرغبة المحمومة لعزل هذه الحركات والاستفراد بها كل على حدة. وفى الحالة اللبنانية بالذات، يذهب أصحاب هذا المنظور إلى ما هو أعمق واجدى في تحقيق هذه الرغبة.. ذلك بمحاولة رمي حزب الله بأنه ينشط محفوفا أو محفوزا بالبعد الطائفي أو المذهبي لا غير وان مكتسباته ستذهب إلى ترجيح كفته وطائفته مقابل بقية الطوائف وكياناتها السياسية على الصعيد الداخلي.
والحق انه كان يمكن لمثل هذا الادعاء ان يفلح لولا ان أدبيات هذا الحزب وممارساته أثبتت العكس. وهو ان هذه المكتسبات والانجازات كانت لصالح لبنان الدولة بكل مكوناتها. بل ويصح الاعتقاد بأن استبعاد حزب الله من المعادلة اللبنانية ربما أفضى إلى زلزلة هذه المعادلة.. إذ من الذي يضمن ألا يستبدل الحزب بقوة أكثر تشددا وتطرفا واقل رشدا وعقلانية ؟!..
قوة لا تتحرك من منطلق توظيف الإقليمي أو الدولي لصالح المحلي والوطني بقدر من الاستقلالية كدأب حزب الله وحماس، وإنما تلقي بنفسها كليا في حجر الآخرين الإقليميين بمطواعية تدخلها في حيز التبعية والطاعة العمياء غير الرشيدة وغير العاقلة؟
كاتب وأكاديمي فلسطيني