لا أريد أن أكتب عن همجية ودموية وجرائم إسرائيل في المنطقة، لا أريد أن أكرر ما سبق وقلناه بأنها دولة إجرام ومجرمين ومرضى بعقد نقص وعدوانية تمتد جذورها في توراتهم كما تمتد في تاريخهم، لا أريد .. لأن تاريخ «إسرائيل» كله قائم على القتل، ابتداء بقتل الأنبياء والرسل والقديسين وانتهاء بقتل الأطفال والنساء والشيوخ الآمنين والمدنيين، ليس في ذلك شيء جديد ولا مدهش ولا مثير للغرابة، وليست قانا هي آخر اكتشافات العقيدة اليهودية القائمة على قتل الآخرين والتضحية بهم.
كما أنني لا أريد أن أكتب عن همجية الأميركان ولا عن جرائمهم ودمويتهم في كل العالم، ابتداء بالقارة الأميركية التي سكنوها واحتلوها بعد أن أبادوا شعبها وانتهاء بالشرق الأوسط الذي يستولدونه قيصرياً بالقتل والدماء، وعندهم أنه يجب أن يولد ولا يهم التضحية بالأم، فالمولود الجديد والمختلف هو الأهم..
وكم كان طلال أرسلان محقاً وصائباً ودقيقاً حين سمى شرقهم الجديد بالشرق الأوسخ الجديد، ولا نزايد عليه حين نقول بأنه الشرق الدموي الجديد الذي سيولد وفق مخططاتهم، فكل الدلائل تشير إلى ذلك مع وجود كل هذا التواطؤ وهذا التنازل وهذه المساومات!
لم يفاجئني الدعم الأميركي والإنجليزي لإسرائيل، فالثلاثة تكوين واحد، عقيدة واحدة، وتاريخ واحد، ومن يقرأ كتب التاريخ، وخاصة تاريخ تأسيس المستعمرات الأولى في القارة الأميركية على يد المهاجرين الإنجليز الأوائل، سيكتشف كيف أنهم كانوا يتحركون وفق ذهنية يهودية بحتة مصورين أنفسهم بأنهم العبرانيون الجدد أو «يهود الروح» الذين عهد الله إليهم ما عهد إلى «يهود اللحم والدم» قبل أن يفسدوا ويتخلوا عن مملكتهم الموعودة.. هؤلاء الإنجليز الذين أسسوا مستعمراتهم الأولى في القارة الأميركية، فعلوا ذلك بمنهج إبادة هو الأكبر والأطول في التاريخ الإنساني.. إبادة ما يقارب من112 مليون إنسان لم يبق منهم أوائل القرن العشرين سوى ربع مليون فقط!
هؤلاء الدمويون إلى أقصى حدود الولوغ في دماء الآخرين، يعتبرون التضحية بالآخر أحد خمسة ثوابت أساسية بني عليها التاريخ الأميركي بداية ولاحقاً التاريخ الإسرائيلي الجديد في الشرق الأوسط المختلف، وسيستمر البناء وفقه لا ندري إلى متى.. لكنه مترافق أيضاً مع فكرة أخرى هي الدور الخلاصي للعالم وعقدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي وقدرية التوسع اللانهائي.. هذه هي الثوابت التي لا يختلف فيها الأميركان عن الإسرائيليين، ولم يختلف عنهم الانجليز أبداً!
أما البكاء الزائف، وعبارات التعزية التي يرسلها لنا بوش من مقعده الوثير، ورايس من خلف الميكروفونات وكل من ناصرهما وحالفهما، فهي ليست سوى عبارات ينطبق عليها قول مايكل هولي إيغل، أحد نشطاء هنود شعب سو، الذي قال عام 1996: «تاريخنا مكتوب بالحبر الأبيض، إن أول ما يفعله المنتصر هو محو تاريخ المهزومين، ويا الله ما أغزر دموعهم فوق دماء ضحاياهم، وما أسهل أن يسرقوا وجودهم من ضمير الأرض، هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التي واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون من جلادنا المقدس الواحد»! وربما سيواجهها معظم سكان الشرق الأوسط كما تنبئ الأحداث الراهنة!!