سأحاول التفكير بطريقة عكسية بحثاً عن توازن يصعب إدراكه أمام بشاعة المجازر التي تُرتكب ضد أبناء أمتنا العربية من نساء وأطفال عزل في غزة وجنوب لبنان.
فقد أتساءل: ماذا لو أن صاروخاً لحزب الله سقط على تل أبيب أو حيفا أو أية مستعمرة من مستعمرات إسرائيل وقتل 56 طفلاً وامرأة، كيف كان هذا العالم المنافق سيتحرك؟ وما هو حجم الغضب الذي كان متوقعاً أن يصبّه فوق رأس المقاومة الوطنية اللبنانية؟
على حد تصوّري، إذا حدث ذلك فإن العالم بأكمله سيتحوّل إلى حائط مبكى على البشاعة التي يرتكبها حزب الله.. وكيف أن الحزب يقتل البراءة ويحتقر الإنسانية ويعادي الحضارة ويرتد بالبشرية إلى عصور الغاب، وربما اتجهت القاذفات الأميركية الثقيلة لتصب أحدث ما في ترسانتها من قنابل على نصف لبنان وتحوِّله أثراً بعد عين.
بعد كل مجزرة نتساءل: ما هي أسرار الحصانة التي تتمتع بها إسرائيل وتتيح لها أن ترتكب ممارسات بشعة، ومع ذلك لا ينظر إليها العالم إلا بعين العطف ولا يفعل شيئاً اللهم إلا التفنن في التماس الأعذار لها.. وتستمر المجازر والتساؤلات بلا نهاية وبلا أي ضوء في نهاية النفق.
للتساؤلات حتماً إجابات، غير أننا نتهرب منها أو نجبن عن ذكرها.. فأميركا التي صدق محمود درويش في وصفها أبلغ وصف «أميركا هي الطاعون.. والطاعون أميركا» هي ما يسقط من أجوبتنا على الدوام.
دعنا من الفيتو المشهر دائماً ضد أي إدانة في مجلس الأمن لإسرائيل، ومن القنابل الموجهة بالأقمار الاصطناعية التي تدك الحصون، ومن الشريان المفتوح دائماً باتجاه إسرائيل يمنحها الحياة والعافية الاقتصادية والسلاح، هناك ما هو أكثر.. فأميركا تريد شرق أوسط جديداً ترسمه طبقاً لرؤية المهووسين بامبراطورية أميركية تدوم ولو على أشلاء البشرية جمعاء.
سأدلل على اتهامي هذا باقتباسات من أقوال رالف بيترز وهو ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الأميركية وأستاذ للعلوم العسكرية ومسؤول «شؤون حروب المستقبل» في مكتب نائب مساعدة رئيس هيئة الأركان العامة الأميركية.
يقول بيترز في تقرير أعده عام 1996 ونشره في حولية كلية الحرب بالجيش الأميركي: «إن دور أميركا الواقعي يعتمد على استعمال القوة العسكرية لتهذيب الصراعات وإقامة عالم مستقر وآمن لاقتصادنا ومدى مفتوح لثقافتنا، ولبلوغ هذه الغايات سنرتكب «حزمة من المجازر»®. التقرير عنوانه «الصراعات المستدامة» وينطلق من مسلمة أساسية هي أنه لا سلام في هذا العالم.
وللتدليل على أن بيترز هذا نافذ في الإدارة وأفكاره تتحول إلى واقع، سأكتفي بتذكير القارئ بأنه نشر في مجلة أميركا العسكرية «Armed Forces Journal» عدد شهر يونيو الماضي تقرير بعنوان «حدود الدم»، هذا التقرير يضع خريطة جديدة لشرق أوسط آمن ومستقر من المنظور الأميركي. الخريطة تغيِّر وتبدِّل حدود الدول.. تخلق دولاً جديدة وتقتطع أجزاء من دول لتمنحها لدول أخرى..
فالساحل السوري بأكمله وفقاً للخريطة يُقتطع ويُمنح للبنان لإحياء الدولة الفينيقية أو (لبنان الكبير)، وشمال السعودية يُقتطع لمصلحة الدولة الأردنية وجنوبها لمصلحة اليمن، وينشأ فاتيكان إسلامي على الساحل الغربي للمملكة السعودية يضم مكة والمدينة ويديره مجلس إسلامي متعدِّد المذاهب والأفكار. كما تنشأ بموجب الخريطة دولة كردية في الشمال العراقي تضم إليها أجزاء من سوريا وتركيا وإيران، ودولة شيعية في جنوبه تتمدَّد على الخليج ويُضم إليها الساحل السعودي من الغرب وصولاً إلى حدود الإمارات، والساحل الإيراني من الشرق وصولاً إلى بندر عباس، كما تنشأ دولة للبلوش في جنوب إيران تُقتطع لها أجزاء من باكستان.
وما هي إلا أسابيع قليلة حتى أعلنت كوندوليزا رايس أن الفرصة حانت لولادة شرق أوسط جديد.
كيف يفكر الأميركيون؟ وكم من المجازر ينبغي أن تُرتكب بأيديهم وأيدي الإسرائيليين وصولاً إلى الشرق الأوسط الذي يحلمون بإعادة تشكيله؟ وإلى متى يبقى «صمت العرب» على هذا الطغيان؟!
magdishendi@hotmail.com