هل يصير بنا الحال إلى إعادة التفكير في ما هو (الأصل) أو (القاعدة) وما هو الاستثناء للتكوينات السياسية المعاصرة التي نشأت ضمن عملية ترتيب الجغرافيا العالمية بعد الحرب العالمية الأولى في أضيق الحدود، والثانية في أوسعها كتتمة لدورة تاريخية طويلة نسبياً من الاستعمار الكلاسيكي الأوروبي وخاصة البريطاني ـ الفرنسي؟

دافعنا إلى التساؤل هو أن العديد من الكيانات التي التحمت سياسياً في إطار دول وطنية موحدة إبان الحرب الباردة ولنحو الخمسة عقود، بدت معرضة للتحلل إلى ما كانت عليه سابقاً بمجرد انتهاء الأخيرة وانسحاب غطائها الثقيل عن نمط التفاعل الدولي حيث انتعشت مظاهر التفكيك التي أصابت عدداً من الدول في قلب أوروبا (يوغوسلافيا، تشيكوسلوفاكيا، والبوسنة، ناهيك عن الاتحاد السوفييتي نفسه).

أما منطق التساؤل فيتأسس على افتراض رئيسي وهو: إذا كانت تجربة الحرب الباردة والانضباط الاستراتيجي الذي كفلته، قد فرضت عمليات توحيد سياسي قسري في مناطق ودول كثيرة من العالم صاغت أو حافظت على صياغات الحرب العالمية الأولى للدول الوطنية القائمة بحدودها وأوضاعها الموروثة أو حتى المصطنعة، فإن الطبيعي هو أن تهتز تلك الكيانات المصطنعة بعد انتهائها، وبعد سيطرة الولايات المتحدة كقطب منفرد على مقادير النظام الدولي.

غير أن هذا الافتراض قد لا يعني التفكك الحتمي بقدر ما يعنى أن ثمة ديناميكية سياسية جديدة تتخلق حول صياغة أكثر مرونة للعلاقة بين الموروث الثقافي التاريخي، وبين التكوين السياسي الجغرافي تقوم على الديمقراطية بالمفهوم الواسع وليس القسر بالمفهوم الشامل. ففي كل الأنحاء والتجارب التي سادها القمع وخلت من تجربة مركزية تقوم على الصهر الطوعي، أو افتقدت لتقاليد تاريخية بعيدة، نجد عوامل التفكك تنمو، والعكس صحيح أيضاً.

وتشي الجغرافيا العربية بهذا الفهم، حيث بدأت موجة التفكك أوائل التسعينات من الصومال الذي بلغ حد اللا دولة نتيجة لالتحام المعضلات الاقتصادية المتزايدة، بالعنصر القبلي ـ الإثني القاتل للتكامل الصومالي. كما امتدت إلى السودان الذي يعانى منذ عقدين مشكلات التكامل الوطني بين الجنوب والشمال لدوافع إثنية تخص الجنوب، وميول سياسية راديكالية، ونكوصات ديمقراطية فيما يتعلق بالشمال قبل أن تنفجر الأزمة الأخيرة بين الشمال والشرق في دارفور محملة بملامح التدويل.

وتكاد الآن تنال من لبنان الذي يستعيد هذه الحالة، بعد هدنة قصيرة من الحرب الأهلية لم تطل إلا عقداً ونصف العقد كنتيجة لكثافة التناقضات الطائفية والسياسية في الداخل، ولضغوط العنصر الإقليمي بل والدولي من الخارج، وربما تعطل حركتها فقط براعة النخبة السياسية اللبنانية وحذقها البالغ حتى الآن.

ويمثل العراق حالة مثالية لصراع بين الطائفية والوطنية، فهو يدخل هذه المرحلة تدريجياً منذ التسعينات الماضية في أعقاب غزوه الفاشل للكويت وخضوعه للحصار الدولي، وقبوله لحظر الطيران في الشمال والجنوب حيث مركز الثقل الكردي والشيعي. ثم تنامي الأمر بعد احتلال بغداد وسقوط النظام وتفجر الأزمة الطائفية التي تربك القدرة العراقية على الاستقلال وتعطل مسيرته إلى التحرر، إذ تجعل كل طرف من الطوائف الكبرى المتصارعة على السلطة (الشيعة والسنة والأكراد) مشغولاً بالآخر أكثر مما هو مشغول بالاحتلال، وكذلك بطبيعة الدستور ومدى مركزية (التي تعنى في السياق التاريخي والثقافي والسياسي العربي مدى وطنية) الدولة العراقية.

فالسنة الذين يتركزون في الوسط العراقي ويلتحمون حول مركزهم في بغداد التي قادت عملية التوحيد الوطني منذ العشرينيات تحت الحكم الملكي ثم البعثي هم من يأخذون موقف الدفاع عن الوطنية العراقية. أما الأكراد فينزعون منذ زمن إلى الاستقلال بفضاء خاص، وقد اتسمت مطالبهم حتى انهيار النظام البعثي بالتحفظ والاقتصار على الحكم الذاتي ثم تنامت فيما بعد الانهيار إلى فيدرالية يضمنها الدستور، ما يعتبره السنة خطوة أولى على طريق الانفصال. وفيما بينهم هناك الشيعة الذين يتأرجحون بين ميول انفصالية ووطنية، إذ يدركون أن الانفصال يجعل منهم كياناً صغيراً هشاً يقع تحت نفوذ الآخرين خصوصاً إيران، وهم لا يحبذون ذلك رغم مذهبيتهم الشيعية حيث التيار الغالب عليهم يبقى وطنياً ولا يفتقر تماما للبعد العربي.

وفى المقابل يشعرون بالحنين إلى ماض كانت فيه البصرة كيانا كبيرا مستقلا يحتضن مذهبهم ويحول دون السيطرة السنية التي دامت في القرن الماضي وما جرى خلاله من دراما سياسية قمعية وخاصة في العصر البعثي. ما يعنى أنهم يحملون ثارات، وحنيناً إلى ماضيهم المستقل من ناحية، بقدر ما يخشون هواجس التهميش إذا ما فقدوا اللحمة الوطنية العراقية التي صاغت العراق الكبير مكانا ومكانة من ناحية أخرى.

وبغض النظر عن مدى شرعية مطالب الفرقاء العراقيين، تكمن المعضلة الكبرى في فشل تجربة القرن العشرين في إنجاز عملية الصهر العرقي المذهبي الجهوي، فبقيت بوتقة الوطن هشة تحوي كتلاً متساوقة، ولا تجسد نسيجاً وطنيا موحداً حتى وإن بقيت هناك هوامش أو تيارات على الهامش لا تعوق دفق التيار الأساسي. والمشكلة على هذا النحو تبقى وليدة ممارسات سياسية واختيارات عملية، وربما أنانية، للنخب الحاكمة وليست وليدة خصوصيات عرقية أو حتمية ثقافية لا فكاك منها.

وفي مقابل النزعة التفكيكية يبرز النموذج التوحيدي اليمني كاستثناء، ولكنه يبقى تعبيرا أصيلاً عن عمق الموروث الثقافي والتاريخي لليمن الذي تصادمت معه أهواء إيديولوجية ورؤى نخبوية وضغوط خارجية لفترة من الزمن، ولكنها لم تصمد أمامه بكل حضوره ورسوخه في جغرافية اليمن، ما مكنه من تجاوز مرحلة الانقسام الإيديولوجي التي بدت هامشية تماماً وقصيرة جدا بمجرد انتهائها قياساً إلى ماضي اليمن.

غير أن اليمن السعيد الذي استعاد وحدته التاريخية والثقافية بعد منازعات وحروب، تبدو تجربته استثنائية قياساً إلى كل ما عداها، فالاحتكام إلى الموروث التاريخي غالباً ما يمزق الجغرافيا العربية بدلاً من أن يعيد إليها حالة الالتئام.

كاتب مصري