في الغفلة التي أسلمتنا للريح فعلوا فعلتهم ونجحوا في خلط أوراقنا، وهاهم اليوم وها هي الثوابت التي كنا نتغنى بها ونفتديها بالروح والدم نبيعها بيع الركام والخردة..
خلطت أوراقنا خلطا وتمترس عدونا وراء الغبار الذي أعمى بصرنا وبصيرتنا، وأصبح فك رموز صمتنا المعلن أسهل من فك غطاء قنينة مياه غازية.. فالفضيحة تطاولت على نفسها، وصار استخراج جثث 22 طفلا عربيا، جثثاً كاملة أو بالتقسيط من تحت ركام الغدر، مساوياً تماماً لأي قيمة في الحزن أو حتى الفرح!
خلطت أوراقنا وأصبحنا لا نقوى على رفع حتى سبابتنا في وجه من يذلنا ونتذوق على يديه الهوان، لكننا أشد فتكاً ووحشية إذا ما أردنا أن ننهش لحم بعضنا البعض ونشرب دماءنا.
الذين تألموا وبكوا أمام شاشات التلفزيون وهم يرون أشلاء الأطفال التي أمكن استخراجها من ملجأ قانا، والذين تابعوا قبل ذلك مراسم دفن الوجبة الأولى من شهداء لبنان في ذلك القبر الجماعي الطويل الذي رصت فيه جثث ضحايا صمتنا وعجزنا وغطت بتراب انكسارنا وخنوعنا والذي لم تبلله إلا دموع الانهزام عادوا إلى طبيعتهم في خلال دقائق! وهذا ليس ذنبهم فهم المفعول به دوما، وهم الذين مورس عليهم خلط الأوراق عنوة وقسوة، وهم الذين أريد لهم ان يتأينوا ليصبحوا أهلا لدخول التركيبات والمعادلات الجديدة.. وها نحن ندخل جميعا..
هكذا خلطت أوراقنا خلطا... العربي الشقيق لن يأتي لنجدتي، وأنا لن املك إلا البكاء والندم! أما ثوابتنا فقد ذابت وصارت معجونا سحريا نلمع به أحذية عساكرنا لكي يكونوا أكثر أناقة وجمالا من أناقة وجمال عارضات الأزياء..
أوراق العربي بعد خلطها تحولت إلى كفنه والى مشنقته والى زجاجة خمره التي سيدمنها حتى لا يفيق..
لقطات مجزرة قانا وما ماثلها لا تستدر دمعنا العادي.. إنها تبكي فينا عجزنا، تبكي فينا هذه المسوخ التي سكنتنا..
في آخر التقارير الممررة:
أميركا تعد لتنفيذ صفقات بيع أسلحة متطورة لعدة جيوش عربية قدرت قيمتها بمليارات الدولارات، لإضفاء مزيد من الأناقة والجمال عليها!!
من بكى بالأمس أمام الشاشات على أشلاء أطفال قانا وأشلاء من سبق من الأبرياء عليه استعادة الفرح!