أتذكر اليوم جيداً، أتذكر الفناء الكبير للمقبرة.. وأتذكر اليافطات السوداء التي كانت تحيطها بعبارات مضادة للوحشية الإسرائيلية، أتذكر صور الأطفال الشهداء والنساء الشهيدات.. أتذكر قانا تلك البلدة الجنوبية البعيدة جداً والصغيرة جداً والهادئة جداً، والمغموسة بالدم وآيات التنزيل وأصوات الأذان.. زرتها منذ ما يقارب الست سنوات ووقفت خاشعة أمام مقابر المجزرة البشعة التي ارتكبها شمعون بيريز عام 1996 يوم أطلق عليها عناقيده الغاضبة.

ففي مارس من عام 2000، كنت في زيارة رسمية للبنان، ومن بيروت انطلقنا في طريقنا للجنوب برفقة السيدة الفاضلة بهية الحريري.. كان التحرير لما يحدث بعد.. بعد حوالي الساعتين وصلنا وبصمت وخشوع كنا في مواجهة الحقيقة الساطعة، فهذه القبور الممتدة باتساع الأرض هي لشهداء قانا، قانا التي علينا أن نؤرخها متسلسلة بعد البارحة بأن نقول قانا الأولى، وقانا الثانية، في طريق من الآلام يشبه الهولوكست وربما يفوقه.. فلقد تعلم اليهود من جلادهم كل البشاعة وكل القتل المجنون، وزادوا عليه من ثوراتهم ووصايا إلاههم (يهوه) الكثير من الدموية.

أتذكر قانا الجليل اليوم، بعد مجزرة البارحة التي أذهلت العالم، وملأته بالغصة والقهر.. فهل كُتب على قانا والخيام ومروحين وعيترون و... أن تحمي الجنوب؟ وهل كُتب على الجنوب أن يحمي لبنان وكتب على لبنان أن يدافع نيابة عن الأمة.. بينما الأمة تتفرج وتمصمص شفاهها مستعيذة من شر أميركا وإجرام إسرائيل.. ولا أكثر؟.. بل وأكثر وأشد ضلالاً وجنوناً حين يخرج علينا من يتحدث عن شيعة وسنة، وعن إيمان وكفر، وعن جواز وعدم جواز، وعن حرمة وتحليل..

بينما الله العظيم يحرم الظلم ويجعله بين عباده محرماً، ويحرم دم المسلم وماله وعرضه وأمنه.. فإلى أين تمضي هذه الأمة يا ترى محتمية بظل جلادها ومنصاعة إلى أوامر مجموعة من المعتوهين يسكن نصفهم في واشنطن ونصفهم في تل أبيب!!

من كان يقدر أن يفعل فليفعل أو ليصمت، من كانت لديه حظوة، أو واسطة، أو صلة بأصحاب قرار أو مؤثرين، من كان قادراً على الفعل فليطالب اليوم وليس غداً بوقف النار عن لبنان، عن الجنوب، عن الأطفال والنساء والرجال المستضعفين في الأرض.. فلا شيء يهم الآن، لا شيء يستحق الحديث عنه أو حوله، لا تحليل يفيد، ولا عتاب ومحاسبة.

ما نحتاجه هو حفظ حياة الباقين، فالحياة مقدسة ومحرمة على العبث، عبث السياسة، وعبث الأنظمة وعبث مجانين تل أبيب وواشنطن.

نرجوكم بحق دماء أطفال قانا وكل الجنوب ولبنان، أوقفوا النار والقتل ثم أفعلوا ما تشاءون وتقاسموا الغنائم كما تحبون!

sultan@dmi.gov.ae