جاء الإعلان عن تشكيل المجلس الوطني للإعلام برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، مؤخراً، تحقيقاً لما تطلع إليه العاملون في مجال الإعلام، واستجابة لمتطلبات موضوعية على جانب كبير من الأهمية، واستكمالاً لإجراءات استهدفت في المقام الأول تحقيق القدر الأقصى من الديناميكية والفعالية والقدرة على الإنجاز في هذا القطاع، الذي لا تخفى أهميته على أحد.

ولا يحتاج المرء إلا إلى نظرة واحدة على تشكيل المجلس لكي يدرك أن صناع القرار في الإمارات قد قطعوا الشوط كاملاً، بحكم هذا التشكيل نفسه، في التأكيد على أن هذا المجلس إنما وجد لكي يكون فعالاً وقادراً ومؤثراً، ليس في التعامل مع القضايا الأكثر أهمية المطروحة في إطار قطاع الإعلام فحسب، وإنما في الانطلاق بالقطاع إلى أقصى حدود التطوير والتحديث والتنسيق بين العناصر والقوى والمؤسسات العاملة تحت سقفه، تمكيناً لها من أداء المهام المنوطة بها، وتوسيعاً لآفاق أهدافها وإنجازاتها.

هكذا فإننا نجد في التشكيل أنه يضم شخصيات بارزة منخرطة في صميم العمل الوطني، عرفت تقليدياً بخبرتها الكبيرة في مجال الإعلام ومتابعتها لتطوراته واهتمامها بتحديثه وتنميته على امتداد سنوات طويلة، ثم امتد التشكيل ليشمل أعضاء في المجلس لا شك في ثراء مساهماتهم المتوقعة في مداولاته بحكم خبرتهم الكبيرة في مجالات الدراسات والأبحاث والحياة الأكاديمية والمؤسسات الإعلامية المعنية بالوسائط البصرية شديدة الفعالية في عصر الصورة الذي نعيشه اليوم.

هذه الفعالية وتلك القدرة على الإنجاز هي نفسها التي تفتح المجال لعدد من التصورات، التي نرى أنها تدور كلها حول الارتفاع بسقف الآمال المعلقة على المجلس، وعلى اليقين من أن هذه الآمال ستشق سبيلها إلى التحقق عما قريب.

ولعل في مقدمة هذه التصورات التي نرى فيها أجندة نقاش تستهدف خدمة جهود تطوير آليات العمل في قطاع الإعلام، ونتوقع أن تكون موجودة بالفعل في دوائر اهتمام المجلس، ما يلي:

أ ـ تحتل بلورة إستراتيجية متكاملة للعمل الإعلامي في الإمارات أهمية متقدمة في إطار جهود المجلس، ولسنا نشك في أن هذا أمر مطروح للاشتغال عليه، لأنه بمثابة الإطار الكلي لتطوير آليات العمل الإعلامي، ومن دون هذه الإستراتيجية، المتكاملة سنكون بإزاء اجتهادات تخطئ وتصيب، وإنجازات جزئية تحقق منفصلة بعضها عن البعض الآخر، ورؤى وتصورات تطرح من دون أن تندرج في تصور شامل يكفل التخلص من أي تداخل أو تضارب أو ازدواج بين جزئياتها، ومن المحقق أن هذه الإستراتيجية هي التي ستكفل التكامل والتنسيق بين الإعلام الخارجي والداخلي، بحيث تحكم رؤية واحدة مسيرة العمل الإعلامي الإماراتي وتتكامل آليات تحديد أهدافه وقوى وعناصر وفعاليات تحقيق هذه الأهداف.

ب ـ هذه الاستراتيجية هي نفسها التي ستكفل إنجاز المهمة الكبيرة المتعلقة بتحديد ملامح المهام والاختصاصات، وتجيب عن السؤال المهم: من سيفعل ماذا وكيف وما هي الآليات والضوابط التي ستكفل تكامل ما ينجزه مع ما يقوم به غيره؟ وهذه المهمة نصفها بالكبيرة ليس بحكم الطبيعة الاتحادية لدولة الإمارات فحسب، وإنما بحكم طبيعة العمل في قطاع الإعلام نفسه، وهو قطاع هائل الامتداد، ويقوم على التخصصات الدقيقة التي تنعكس في صورة تعدد المؤسسات القائمة على ساحته.

ج ـ لسنا نشك في أن هناك اجماعاً بين العاملين في قطاع الإعلام على أن أولوية خاصة ستعطى في إطار نشاط المجلس لسد الثغرة القائمة في قانون المطبوعات والنشر رقم 10 لسنة 1980، تمهيداً لما يراه المجلس في ما يتعلق بهذا القانون سواء بتعديله بصورة شاملة أو بإصدار قانون جديد كلية، يراعي التطورات الهائلة التي عرفها العمل الإعلامي منذ صدور القانون، والتي لم تكن واردة في ذهن المشرع بحال.

د ـ هذا التكامل في تشكيل المجلس الذي شددنا عليه، هو نفسه الأرضية التي ننطلق منها إلى الاستنتاج المنطقي بأن من الخطوات المهمة التي سيبادر إليها المجلس إنشاء مجموعة من اللجان الفنية المنبثقة عنه، والتي تضم نخبة من المواطنين العاملين في مختلف مجالات العمل الإعلامي.

وبصفة خاصة الإعلام المقروء، وهذه النخبة بحكم انخراطها طويلاً في العمل الإعلامي ستبادر إلى الالتقاط السريع لمشكلات القطاع، وطرح الحلول لها، وأيضاً وضع رؤية متكاملة لسبل التنمية والتطوير في القطاع، خاصة في ضوء التتابع المدهش في التطورات المختلفة التي تشهدها فروع العمل الإعلامي.

هـ ـ من الضروري أن تحظى المناطق الحرة وما توفره من تسهيلات للعمل الإعلامي باهتمام المجلس، وينعقد الاجماع على أن المناطق الحرة في الإمارات أحرزت نجاحاً كبيراً، تمت ترجمته ميدانياً في صورة استقطاب هذه المناطق للقنوات الفضائية ووكالات الأنباء ومكاتب الصحف والمجلات وغيرها من المؤسسات الإعلامية، وهو الأمر الذي يعد معياراً حقيقياً للنجاح، لكنه في الوقت نفسه يحمل تحديات لا يستهان بها، لابد من التعامل السريع والفعّال معها.

و ـ أخيراً، وقد كان ينبغي أن يكون أولاً، فإن المجلس لابد أنه سيأخذ زمام المبادرة في ما يتعلق بوضع الكوادر المواطنة في قطاع الإعلام، فهذا القطاع لا يقل حشد الكوادر المواطنة في مؤسساته أهمية عن زيادة الكوادر المواطنة في المصارف، وهو ما يحظى باهتمام خاص من مجلس الوزراء، ومناط الاهتمام في قطاع الإعلام لا ينبغي أن يكون قاصراً على الزيادة الكمية لعدد المواطنين العاملين في القطاع فحسب.

وإنما ينبغي أن يمتد إلى العمل على وضع برامج لتدريب هؤلاء المواطنين ورفع كفاءتهم وابتعاثهم للدراسة العملية في المؤسسات المشهود لها بالكفاءة الميدانية عربياً ودولياً، على أن يقترن ذلك ببرنامج زمني ملزم لشغل مختلف المراكز القيادية والإشرافية بالكوادر المواطنة.

وبحيث يأخذ التوطين في هذا القطاع طابع العملية المستمرة التي لا تتوقف ابتداء من تبني المؤسسات الإعلامية للكوادر المواطنة وهم في مراحل الدراسة بالجامعات والكليات والمعاهد المتخصصة وصولاً إلى وقت يتحقق فيه ما هو طبيعي ومنطقي وحتمي، أي تشكيل الكوادر المواطنة للغالبية الكاسحة من العاملين في قطاع الإعلام، مع ما يرتبط بذلك من توفير الحوافز لهم، بحيث لا يؤدي تواضع الرواتب في القطاع إلى تحويله لقطاع طارد للكوادر المواطنة.

ويظل صحيحاً، في نهاية المطاف، أن تشكيل المجلس الوطني للإعلام هو منعطف بالغ الأهمية في مسيرة العمل الإعلامي في الإمارات، وبقدر هذه الأهمية تأتي الآمال الكبار المعلقة على نشاط المجلس وبرامج عمله.

ولهذا، على وجه الدقة، يأتي الإجماع على أن هذه الآمال الكبار، التي أشرنا إلى طرف بسيط منها، سوف تتحقق في القريب العاجل.

رئيس التحرير التنفيذي لـ «البيان»