«إلى اليمين أيها الأنذال! ستقفون بشكل مستقيم وإلا ركلت شخصياً كل مؤخرة من الشرق الأقصى تظهر أمامي!» هكذا خاطب النقيب الأميركي الجنود اليابانيين في فيلم (الساموراي الأخير) للمخرج إدوارد زويك.
لم يعد هناك أي داع لأي تحليل آخر لما يحدث بكل بساطة وبكل وضوح منذ سنوات في بلاد ما بين النهرين ومنذ بضعة أشهر في قطاع غزة ومنذ عدة أسابيع في جنوب لبنان وربما تمتد الأحداث لتشمل مصر وسوريا وإيران في الخطوة اللاحقة. فكل المؤشرات تدل على وجهة مسار هذا الخط. السيطرة على الشرق الأوسط نفطا وأرضا.
فنحن نذهب أحيانا بعيدا في البحث تحت المجهر عن عقد ميكروسكوبية غير مرئية، بينما هي أوضح من وضوح الشمس وتقع تحت أعيننا وفي أسماعنا وبين أيدينا لدرجة أننا نشك في وجودها. فقد تعلمنا أن الحقائق لا تكون واضحة أو كبيرة.
هناك في العالم اليوم دولتان لا أكثر: الولايات المتحدة الأميركية ودولة ما يسمى بـ «إسرائيل». وواضح جدا أنهما ترتبطان فيما بينهما بمصالح مشتركة. (أما الدول الأخرى فقد أثبتت التجارب الأخيرة بأنها تسير بكل طواعية إما خلفها أو في مدارها).
- فالولايات المتحدة العظيمة الوزن تريد أن تركب على ظهر دولة إسرائيل الهزيلة الحجم لتعبر إلى تحقيق وضمان استمرار الحروب في الشرق الأوسط، وبالتالي للحاجة الدائمة إليها في المنطقة تحت عدة مسميات مختلفة ومختلقة: تطبيق الحرية ـ حماية أمن وسلامة صديقتها إسرائيل ـ ضمان مصالحها القومية ـ منع وصول الشيوعية للمنطقة (سابقا) ـ مكافحة الإرهاب الدولي الذي يهدد العالم... إلخ.
وهدف الولايات المتحدة لا يمكن أن يكون بالتأكيد طمعا في حرارة أشعة الشمس الحارقة لهذه البلدان أو بحارها الدافئة التي تلوثت بمخلفات الصناعة والحروب والسفن والأساطيل الحربية التي تجوبها دون أن يحكمها أي قانون، ولا رغبة في استعمار المنطقة على الطريقة الأوروبية القديمة التي ولى عهدها: فهي تملك مساحة جغرافية واسعة، وطبيعة خلابة وأنهارا وبحارا رائعة وشلالات دائمة... وإنما فقط لضمان سيطرتها على أهم منابع ومخزونات النفط العالمي في: العراق، إيران، الجزيرة العربية لا غير، إضافة لإحكام قبضتها على أسواقها المفتوحة دون رقابة.
- أما دولة ما يسمى بـ «إسرائيل»، فلم يتعد هدفها ضمان دعم ونفوذ وهيمنة الأولى من خلال قوة ضغط اللوبي الصهيوني المتزايد اتساعا والمنتشر كالسرطان في العمود الفقري للإدارة الأميركية وفي ما يقارب 80% من مواقع النفوذ فيها، وتحت عدة مسميات مثل: حماية صديقتها في المنطقة ـ حماية الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط. وهدفها الأول والأساسي الذي بنيت عليه في الأساس الدولة العبرية، لا يتعدى تحقيق الحلم الصهيوني القديم الذي ولى عهده، بـ (دولة إسرائيل الكبرى) الممتدة من الفرات إلى النيل، وهي وفق تخيلاتهم تشكل المساحة الجغرافية التي عبرها اليهود إلى تاريخ وصولهم إلى مصر ثم عودتهم إلى أرض فلسطين وما لاقوه من مذلة وهوان على مر التاريخ.
وهكذا تشابكت المصالح المادية للأولى بالمطامح الخيالية للثانية: فالأولى تبحث عن الدماء المتمثلة في النفط الخام الذي يغذي شرايين آلاتها الصناعية، بينما الثانية تبحث عن تاريخها الذي تدعي أن أهم آثاره يمثلها هيكل سليمان الذي تدعي وجوده تحت المسجد الأقصى. وهي ما فتئت تقوم بالحفريات تلو الحفريات بحثا عن الكنز المفقود والذي تشير إليه رواية دان براون «شيفرة دافنشي» ولكن من منظور تاريخي آخر.
وهكذا يصبح وجود اليهود في المنطقة منذ منتصف القرن الماضي، رغم ضآلة عددهم مقارنة بعدد سكان الدول العربية، أخطر بكثير من وجود الولايات المتحدة الأميركية بكل أساطيلها وقوتها وجيوشها فيها. فعندما سينضب النفط، وهو سينضب لا محالة، ستحزم الدول الكبرى حقائبها وترحل على ظهر أساطيلها في أقل من أربع وعشرين ساعة. فهذه المنطقة لا يوجد بها أي شكل من أشكال مقومات الحياة: فمناخها يغلي تحت درجة حرارة تفوق 50 درجة مئوية في الصيف، وصحراؤها قاحلة تماما إلا من بعض أشجار النخيل ومياه طبيعية تكاد تكون نضبت تماما بعد تزايد عدد سكان المنطقة والإسراف في الاستهلاك والتي أصبحت تعتمد بشكل أساسي على تحلية مياه البحر.
غير أن الدولة العبرية والتي تنبش الأرض ليل نهار بحثا عن تاريخها المفقود، فإنها لن تتوقف عن حياكة المؤامرات وإثارة الحروب حتى تستولي على كل شبر من أراضي هذه المنطقة. فهدفها قبل أن تقوم الساعة هو أن يكون لليهود إمبراطورية ممتدة شرقا وغربا على أنقاض إمبراطورية العرب. ولا شك أن ذلك ليس الهدف الوحيد لليهود. فهم أيضا يبحثون عن القوة والسلطان والمال والنفوذ. إلا أن هدفهم الأساسي في المنطقة حاليا هو إقامة إمبراطورية عريضة يكتب عنها التاريخ كما كتب عن العرب والفرس والرومان والإغريق!!
فالمال والعزة والنفوذ متوفرة لليهود حاليا في كل بقعة من بقاع الأرض وليسوا بحاجة للبحث عنه في فلسطين بالثمن الباهظ الذي يدفعونه كل يوم قتلا وتدميرا: فهم كما ذكرنا في مقالة سابقة يسيطرون على أكثر من نصف مصالح الكرة الأرضية.
ومسلسل الأحداث منذ سقوط بغداد إلى اليوم يدور حول هذه القصة لا أكثر. فهناك نية واضحة جدا أعلنها مسؤولو البيت الأبيض علانية بإعادة بناء الشرق الأوسط بحيث يتطابق ويتوافق مع مطامعهم، من خلال إزالته وتسويته بالأرض تماما كما تفعل طائرات الـ اف 16 الأميركية الصنع المحملة بالقنابل الفسفورية الأميركية الصنع أيضا والتي يقودها طيارون إسرائيليون في جنوب لبنان (رمز تشابك ووحدة المصالح بين الدولتين)، إضافة إلى الأحداث الدامية في العراق والتي تحولت من مواجهة بين المقاومة والاحتلال إلى مواجهة بين الطوائف.
فالذي لن تستطيع إسرائيل سحقه، سيتولى بعض المسلمين أنفسهم تنفيذه وعلى حسابهم الشخصي! وهو ما لم ينتبه إليه المسلمون في العراق بشتى طوائفهم بعد.
إلا أن الأمور في صميم الواقع يبدو أنها لا تجري دائما بما تشتهي سفن الولايات المتحدة الأميركية ولا قنابل الفسفور الإسرائيلية. فبينما فشلت قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق مرادها في العراق كما خططت له، وأصبحت لا تعرف كيف تخرج من العنف المتواصل في جنوب ووسط وشمال العراق، وجدت إسرائيل نفسها هي أيضا قد تهورت للمرة الألف في دخول منطقة مزروعة بألغام حزب الله والشعب اللبناني الذي وجد نفسه لا إراديا يقف خلف هذا الحزب المتعاظم في لبنان ومستعد بكل طوائفه أن يبعث بأبنائه للدفاع عن تراب الوطن. وكان ذلك صدمة للمحللين الإسرائيليين الذين بدأوا يعترفون بخطورة الموقف...
وهم يشاهدون القنابل الإسرائيلية الذكية تصيب بغباء متأصل مركزا لقوة مراقبة مغلوبا على أمره تابع للأمم المتحدة! بدلا من إصابة مقاومي حزب الله...
والكارثة أن الدولتين دخلت كل منهما في مغامرة مختلفة وفي موقعين مختلفين بهدف واحد، وقد حسبتا ألف حساب مسبق لكيفية الدخول فيها ونسيتا تماما كيفية الخروج منها فيما بعد. وهذا يذكرنا بالطرفة التي تقول بأن رجلا استطاع قيادة طائرة والتحليق بها في طبقات الجو من خلال تتبع تعليمات كتيب تعليم فن الطيران أولا بأول، إلا أنه فوجئ في نهاية الكتيب بأن المؤلف يطلب منه شراء الجزء الثاني لتعلم كيفية الهبوط!!!
مرة أخرى، أتمنى أن يشاهد الجميع فيلم «الساموراي الأخير» والذي لعب فيه توم كروز دورا يستحق الإشادة ويستحق التصفيق ويستحق عليه جائزة الأوسكار كأفضل «ممثل أميركي». ومن ثم يعود لمشاهدة احدى حلقات برنامج أوبرا ونفري الذي استضافت فيه هذا (الممثل) البارع وهو يتنطط على الكرسي ويضحك بهستيرية ويتصرف بغباء أحرج مقدمة البرنامج نفسها وهو يكشف عن حقيقة المحارب الذي لا يهزم في الأفلام الهوليوودية.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com