الآن حصحص الحق وانتهى المولد الأميركي عن إصلاح المنطقة وإنشاء الشرق الأوسط الكبير ودمقرطته لينتهي، على وقع العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على لبنان وفلسطين، إلى مجرد حظيرة أميركية بحراسة إسرائيلية.

كثيرون من الكتّاب العرب والأجانب شككوا منذ البداية في جدية النوايا الأميركية عن إحداث إصلاح حقيقي في المنطقة باعتبار أن الثعلب لا يستطيع حراسة الدجاج حتى لو أراد ذلك، لكن الكتاب العرب المتأمركين «هاجوا وماجوا» وأقسموا بأغلظ الأيمان أن أميركا صادقة وأن بوش هو «النبي المرسل» لنشر الديمقراطية في الصحراء القمعية العربية الجرداء، بل وذهب بعضهم إلى ضرورة استيراد بعض من الديمقراطية الإسرائيلية باعتبارهم «أولاد العم الجدد».

الآن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة.. أميركا ماطلت كثيراً في كشف حقيقة الديمقراطية التي تريد، وعندما جد الجد تبين للجميع أن الذين يديرون سياسة أميركا في الشرق الأوسط أكثر صهيونية وعنصرية حتى من أولمرت وبيرتس.

نسمع ونقرأ لكتّاب إسرائيليين كثيرين يتحدثون عن همجية جيشهم، واستحالة تحقيقه لنصر فعلي على حزب الله، أو القضاء على المقاومة الفلسطينية، وبعض هؤلاء يتحدث أحياناً عن ضرورة إيجاد حل سياسي لاعتقادهم اليقيني أن الآلة العسكرية مهما بلغ جبروتها لن تستطيع قتل الفلسطينيين، بل ان جنرالات في الجيش الصهيوني بدأوا يتحدثون علناً في الأيام الأخيرة أن المطلب الأميركي بالقضاء التام على حزب الله يصعب تحقيقه، لأنه لا يمكن القضاء على الشعب اللبناني بأكمله.

وعلى حد تعبير الأديب والكاتب المصري علاء الأسواني، فإن إسرائيل ليست أسداً مرعباً، ونحن العرب لسنا نعاجاً ضعيفة... الذي جعل كثيرين يعتقدون ذلك، هو ضعفنا وهواننا على أنفسنا وعلى الناس. عندما نشرت الصحف الأميركية تصريحاً منسوباً إلى جورج بوش بأنه يريد من إسرائيل أن «تطحن» حزب الله وتلغيه من الوجود، تصورت أن يبادر البيت الأبيض إلى تكذيب الخبر أو حتى تهذيبه،

تصورت أيضاً حالة من الرفض العربي ـ الرسمي ـ لمثل هذه التصريحات العنصرية غير المسبوقة، لكن أياً من ذلك لم يحدث... وبدلاً من ذلك رأينا كيف أن الولايات المتحدة بأكملها تحولت إلى أقل من دائرة صغيرة في الخارجية الإسرائيلية، تسوق لها عدوانها في مجموعة الثماني، وتعرقل أي قرار في مجلس الأمن، وتفشل مؤتمر روما، وتمارس أقصى ضغوطها على بعض الأنظمة العربية لتضغط بدورها على لبنان حكومة ومقاومة.

قد يقول قائل إن المسلك الأميركي ربما يصب في المصلحة الأميركية، أو أن الدفاع عن إسرائيل على طول الخط هو سياسة أميركية ثابتة لا تتغير، لكن كيف لنا أن نفسر سلوك بعض الحكومات العربية؟

من حق هذه الحكومات أحياناً أن تختلف بشأن كيفية أداء المقاومة اللبنانية، وتوقيت عملياتها.. أو قد تختلف سياسياً مع حكومة حماس في فلسطين.. لكن هل درست هذه الأطراف نتائج إعلان تأييدها الفعلي والعلني غير المسبوق للعدوان الإسرائيلي المفتوح؟ في تقديري المتواضع، هناك تفسير وحيد لمسلك بعض العرب.. وهو باختصار أن هاجسهم الأول والأخير هو البقاء في كراسيهم حتى لو كان الثمن هو خراب كل الأمة ومهانتها.

الولايات المتحدة تبتز هذه الحكومات بعدم شرعيتها، وتلاعبها من حين لآخر بلعبة الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة، وقائمة من الشروط لا تنتهي أبداً، في الجانب الآخر من الصورة أدركت واشنطن وخلفها إسرائيل أن أي ديمقراطية فعلية في أي بقعة عربية ستأتي بقوى مناهضة للسياسة الأميركية الإسرائيلية، سواء كانت هذه القوى إسلامية أو قومية أو حتى ليبرالية محترمة.

في هذه اللحظة من الإدراك المتزامن بين واشنطن وبعض الحكومات العربية جرى ما يمكن تسميته بصفقة الظلام بين الطرفين، وملخصها أن تتوقف الولايات المتحدة عن المطالبة بالإصلاح، وتعيد تعويم هذه الحكومات، مقابل أن ترتمي الأخيرة بكل ما تملك في الأحضان الإسرائيلية المسمومة.

ليس ذلك فقط، فإذا كانت واشنطن صديقة وحليفة لقوى توصف دائماً بأنها معتدلة في المنطقة العربية، فإنها مستعدة أيضاً لإعادة تعويم أنظمة وحكومات تصفها دائماً بأنها متشددة أو منغلقة طالما قبلت «بالانبطاح» أمام تل أبيب، ومثال على ذلك ما تسرّب من أروقة الإدارة الأميركية قبل أيام بأن واشنطن لا تمانع في مصالحة سوريا إذا قررت دمشق قطع علاقتها مع إيران وحزب الله.

إذن مفتاح كل شيء في المنطقة كما تراه واشنطن يبدأ وينتهي بعيون إسرائيلية، من جاء راكعاً منبطحاً فأهلاً وسهلاً، ومن قرر المقاومة فعليه أن يتحمل التبعات. نقطة الضعف الوحيدة التي تتناساها واشنطن وتل أبيب وأي حكومة قررت التسليم، أن هناك ما يسمى بـ «الشعوب»... قد تستكين حيناً، وتصمت أحياناً... لكنها في كل الأحوال لا تموت.

emadiraqi@yahoo.com