لا يختلف أحد ـ ممن لا يزال ضميرهم حيا، حتى في الدول الغربية ـ على أن الذي يقع في فلسطين وفي العراق وفي لبنان، جرائم وحشية، ليس في حق العرب فقط، ولكن في حق الإنسانية جمعاء. جرائم يفترض أن يقدم مرتكبوها إلى المحاكمات وأن ينالوا العقاب الذي يستحقونه. لكن على ما يبدو فإن شعوب العالم تظهر، أكثر من أي زمن مضى، أنها تمر في حالة من الخراب النفسي والمعنوي، وذلك حين لا تتناسب ردات أفعالها مع حجم ما تواجهه من مواقف.

إن مشاهد الضحايا، وبالذات الضحايا من الأطفال يفترض فيها أن تضع الإنسان أمام مواجهة صعبة مع نفسه ومع موقفه من العالم. فبالنسبة لنا كعرب، يفترض أن هؤلاء الضحايا هم من أهلنا ومن أبنائنا، وبالتالي يقتضي منا الموقف أن لا نقف تجاههم وقفة إنسان لا مبال، أو وقفة إنسان لا إحساس لديه. فمثل هذا الموقف يجب أن يخيفنا لأنه يكشف لنا بأننا قد أصبحنا في حال يرثى لها من التبلد، أو حتى من موت الضمير.

فالذي يرى بني أهله يقتلون، أو حتى يهانون، ولا يحرك ساكنا، أو أنه ينام قرير العين، لاشك يعاني من خلل كبير في حالته النفسية وفي إدراكه للأمور. لأنه حين يعامل هذا الإنسان الجرائم التي ترتكب في حق أهله بأنها أمور عادية ولا تستحق منه التصدي، أو حتى الرفض، فإنه واقع في مشكلات كبيرة تتعلق بتقديره للأمور، لأن الذي ينال أهلك ينالك، أو هكذا يفترض، والذي يوجعهم يؤلمك، كما أن الذي يوجه لهم الألم إنما هو مدرك أنه يشملك فيما يفعل، وبالتالي فإننا حين نقبل الإساءة إلى أهلنا، ونقبل أن يقتلوا وأن يشردوا وأن تستباح أعراضهم ودماؤهم، فإن ما يهون علينا في الحقيقة هي نفوسنا، ويجب أن ندرك أننا سنصبح كلنا عرضة لمثل هذه الإساءات والتنكيل في وقت قادم.

إن الذي يعرف مخططات دولة الصهاينة، وهنا يجب أن لا تغيب عن أذهاننا حقيقة أنها دولة استعمارية استيطانية وإرهابية، يعرف أن في صميم هذه المخططات مشروع هيمنة على مصير العرب جميعهم، وليس فقط الهيمنة على فلسطين أو لبنان أو سوريا، أو حتى مصر، وأن الصراع مع هذه الدولة بالنسبة لنا كعرب هو صراع بقاء، وهو ما لا يخفيه قادتها، لأن وجود وقوة إسرائيل يعنيان بالضرورة فناء للعرب وحرباً على أنفسهم وأرضهم، ودياناتهم أيضا.

كما أن الذي يعرف تاريخ الولايات المتحدة يعرف أيضا أن تاريخها يتقاطع مع تاريخ الدولة الصهيونية في أنه تاريخ لدولة استعمارية استيطانية، دولة بنيت على إفناء شعب كان يقطن الأرض التي احتلها اولئك الغزاة قبل بضع مئات من السنين، فمن هو يا ترى الذي يؤمن لمثل هاتين الدولتين ويعتقد أنه، لو تنازل لهما ستبقيه ذلك سالما؟

التاريخ يعلمنا أن الغزاة لم يحترموا يوما من تواطأ معهم أو سلمهم شيئاً من بلده أومن أهله أو من نفسه، لأن الغزاة يدركون، بينهم وبين أنفسهم، أن من يخون حرمات أرضه أو نفسه أو شعبه، شخص لا يؤتمن، وأنه إنما فعل ما فعله حرصا على مصالح له هو شخصية، وبالتالي من تكون مصالحه محركه الأساس سوف يبحث دوما عمن يؤمنها له، ولا تحكمه هنا معايير من الأخلاق، أو حتى الرؤية السليمة.

أيضا يعلمنا تاريخ الولايات المتحدة تحديدا أن الغزاة نكلوا، ليس فقط بمن تصدى لهم وحاربهم، بل حتى بمن احتضنهم، فكما هو معروف إن أول من جاء من الأوروبيين لتلك الأرض عاملهم شعبها من السكان الأصليين بما يليق بثقافتهم، والتي هي في صميمها لا تقوم على رفض الآخرين بل تقبلهم وتعطيهم الحق في العيش.

إذ كما تقول ثقافة تلك الشعوب النبيلة التي عاشت في الأرض، التي تسمى اليوم بالولايات المتحدة، قبل أن يحتلها الغزاة الأوروبيون «نحن ننظر للأرض على أنها أمنا الأولى، فكيف يمتلك الإنسان أمه»، ولقد قادتهم هذه النظرة، نظرة اعتبار الأرض أم الإنسان، إلى مشاركة الأوروبيين الذين قدموا إليهم فيها،

كما علموهم فنون الزراعة وفنون الصيد وتربية الحيوانات والدواجن، فما كان من الغزاة إلا أن أبادوهم في أول عيد حصاد لهم على تلك الأرض. واحتفال الولايات المتحدة بما يسمى ب«عيد الشكر» دليل على ذلك التاريخ، وهو ما يجعل سكان تلك الأرض الأصليين لا يعتبرونه يوما للعيد، بل يوما يذكرهم ببداية فنائهم.

ففي مثل هذا اليوم، وبعد أن تم الحصاد وذبح الديك الرومي تم أيضا ذبح سكان تلك البلاد جزاء لهم على احتوائهم للغزاة، لأن أولئك الغزاة لم يكن في أذهانهم فقط أن يعيشوا على تلك الأرض التي قدموا إليها بسلام، بل، وبالذات حين تعرفوا على خيراتها، كان في ذهنهم أن يستولوا على كل تلك الأرض وخيراتها، وإن تطلب الأمر إبادة من عليها من شعوب. والذي لا يعرف هذا التاريخ عليه أن يقرأه جيدا.

من جانب آخر، هناك مشروع تاريخي آخر علينا إعادة قراءته في هذه الأيام، إن كان فينا ما زالت لديه سذاجة الاعتقاد بأن ما يحدث في العراق أو في فلسطين أو في لبنان، أمر يتعلق بحماس أو يتعلق بحزب الله أو بالقضاء على نظام حكم صدام أو تحقيق «الديمقراطية» أو «الإصلاح» قسرا، وهذا المشروع هو مشروع إقامة دولة إسرائيل قبل أن يتم اختيار فلسطين لها. لأن في هذا المشروع حديثاً عن فكرة أن تقام تلك الدولة في منطقة الخليج تحديدا، ثم تم تغيير تلك الفكرة بناء على حسابات ودراسات أخرى.

وإن لم تخنّي الذاكرة فإن المسمى الذي أطلق على ذلك المشروع هو «مشروع روتشتاين»، ولا شك بأن وثائق هذا المشروع لا تزال موجودة في مكان ما. أيضا تواجهنا حوادث هذه الأيام الدامية بحقيقة خطيرة أخرى، إلا وهي غياب فعالية الجزء الأكبر من الجسم العربي في التصدي لمشروع إبادته، فما هي يا ترى مشكلاتنا الخطيرة التي قادتنا إلى الوصول لمثل هذا المأزق التاريخي.؟

لا تسخروا من هذا السؤال وتدعوا معرفة الإجابة حوله، لأنكم لو تعرفون الإجابة فإن الذي يفترض من العارف هو أن لا يقف عند حدود المعرفة. فالذي يعرف أنه سيباد ثم لا يحرك ساكنا هو إنسان لا شك يعاني من مشكلات خطيرة عليه معالجتها. والذي يعتقد اليوم أن الإبادة لن تشمله هو أيضا إنسان لديه قصور في الإدراك علينا أن نعالجه منه. وعلينا ان نتحمل مسؤوليتنا جميعا قادة وشعوباً.

لأن القادة هم من يجب أن لا يقبلوا بشعوب لديها مشكلات في الإدراك أو في تحمل المسؤوليات التاريخية التي تلقى على عاتقها. كما أن الشعوب أيضا تتحمل المسؤولية في وجود قيادات لها تجد مشكلة في الارتباط بها، لأنها كما يقال لا تمثل مصالحها. ونحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تصحيح واقعنا بما يجعلنا جميعا متحملين لمسؤولياتنا ومحافظين على شرف وعزة هذه الأمة، ومدافعين عن بقائها، وإلا فإن التاريخ لن يغفر لنا لا غفلتنا ولا التخلي عن مسؤولياتنا. كما أن الذي يتعرض للإبادة من حقه أن يدافع عن وجوده بكل الأشكال، والتاريخ لم يحترم يوما الجبناء أو الخونة، ولم يمجد إلا الشرفاء والنبلاء.

جامعة الإمارات