بالرغم من أن البعض يصرّ على انعدام العلاقة بينه وبين الفقر، إلا أن تقارير البنك الدولي تقول عكس ذلك، وتشير إلى أنه أحد الأسباب التي يرزح بسببها ملايين الأشخاص حول العالم تحت خط الفقر. وإن كان هؤلاء البعض محقين في عدم ارتباط الفساد بالفقر ارتباطاً مباشراً،

إلا أن أثره على أداء الحكومات وبالتالي استقرار الاقتصاد مباشر وواضح للعيان. فتفشي الفساد في الأجهزة الحكومية يؤدي إلى تضاؤل قدرة الحكومة على تطبيق معايير الجودة في أداء مهامها، وبسببه توضع الاستثمارات الحكومية في غير مواضعها، وبسببه أيضاً يضعف الالتزام بمعايير الأمن والسلامة، ونتيجة لكل ذلك يزداد الضغط على الميزانية الحكومية وبالتالي تضعف أو في بعض الأحيان تنعدم الخدمات الحكومية الأساسية.

يعرّف «دانيال كوفمان» الخبير الاقتصادي في البنك الدولي الفساد على أنه استخدام المنصب الحكومي لتحقيق مكاسب خاصة، ويشمل ذلك الرشوة والابتزاز والاحتيال والاختلاس، كما يشمل قيام الموظفين الحكوميين بتخصيص أو استغلال الأموال العامة لمصالحهم الشخصية. وقد يستخدم البعض الرشاوى المباشرة أو العلاقات الشخصية لإجراء معاملة حكومية بطريقة غير رسمية لتوفير الوقت وتجنب الضوابط التنظيمية،

وقد يسخرها البعض الآخر للحصول على عقود حكومية أو للحصول على امتيازات تمنحها الحكومة كإعفاء بعض الشركات من رسوم التأمين، أو كاحتكار شركة معينة لعقود توريد لمجموعة من المؤسسات الحكومية لا لجودة منتجاتها أو لأسعارها التنافسية، بل لعلاقة متبادلة بين صاحب الشركة وأحد المسؤولين المتنفذين في الحكومة، وقد يتمثل الفساد أو كما يحب البعض تسميته «تضارب المصالح» في كون القائمين على إدارات تراخيص البناء، مثلاً، يملكون شركات مقاولات ليحصلوا من خلال مناصبهم على تسهيلات حكومية تميز شركاتهم وتضعها في قائمة الشركات المفضلة لدى المستثمرين في مجال العقارات.

لقد حاربت الدول الفساد بشتى أشكاله، حتى «البقشيش» الذي نعتبره جائزة نكافئ بها النادل في المطعم إن قدم لنا خدمة جيدة، قامت بعض الدول الأوروبية بإضافته كنسبة مئوية على فاتورة الطعام حتى تضمن أن يتم تقسيمه على جميع العاملين في المطعم بمن فيهم الطهاة بصورة متساوية.

ومن أشكال محاربة الفساد ما قامت به اليابان للتقليل من التجاوزات في القطاع الحكومي، فوضعت نظاماً يقيس الشفافية في المؤسسات الحكومية على أساس النقاط، وحددت أربعة محاور تعطى على أساسها تلك النقاط، وهي جودة المعلومات المتوفرة للجمهور عن المؤسسة، وكمية المعلومات المفصح عنها بالنسبة لميزانية المؤسسة، وشفافية عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسة، وأخيراً سهولة حصول الجمهور على معلومات متعلقة بالرسوم والغرامات.

ويقوم محققون وضعتهم الحكومة بتسجيل نقاط لكل محور من هذه المحاور، ثم ينشر تقرير في نهاية العام في جميع وسائل الإعلام تصنف فيه المؤسسات الحكومية إلى مراكز بناءً على عدد النقاط التي حصلت عليها. وفي اجتماع سنوي تدعى إليه جميع وسائل الإعلام تتم مناقشة هذا التقرير ليحصل كل مواطن على حقه في معرفة الحقيقة. ونتيجة لهذه المبادرة أصبحت «الشفافية» من أولويات عمل المؤسسات الحكومية، فلا أحد يريد أن يكون في ذيل القائمة حتى لا تثار حوله تهم بالفساد واستغلال المنصب.

وفي فنلندا التي تحتل المركز الثاني في تصنيف الدول الأقل فساداً في العالم يتم وضع مؤشرات لقياس الشفافية في المؤسسات الحكومية، حيث تقاس معايير مثل مصداقية المعلومات التي تقدمها هذه المؤسسات للمتعاملين، ومدى مصداقية هذه المعلومات وصحتها، بل إن الحكومة ذهبت إلى قياس مدى سهولة فهم المعلومات المقدمة، وما هي الوسائل التي تقدم من خلالها إلى المجتمع.

وفي تايلاند التي تحتل المركز الواحد والستين في التصنيف العالمي قامت الحكومة بإنشاء معسكرات شبابية لمكافحة الفساد، حيث يقسم الطلبة المشتركون إلى مجموعات يقودها مختصون من شبكة مكافحة الفساد الحكومية، يجرون خلالها محاضرات وورش عمل للحديث عن الشفافية وأهميتها في المجتمع، ولمناقشة مفاهيم جديدة كتضارب المصالح وما هي آثار الفساد على الحكومة والاقتصاد، وكيف يستطيع هؤلاء الشباب الذين سيكون منهم قادة في القطاع الحكومي أن يفرقوا بين العادات الشرقية،

كالعطايا ومحاباة الأقارب ومساعدة الصديق، وبين مظاهر الفساد. ويحرص المسؤولون في هذه المعسكرات على عقد جلسات نقاش مع الشباب ليكون وقع التدريب أكثر تأثيراً. وسنويا تعقد الحكومة مسابقة لمقالات تتحدث عن نظرة الشباب للفساد وكيف يمكن القضاء عليه، ويكرم الفائزون في هذه المسابقة ثم يشاركون في منتدى سنوي لمناقشة قضايا الفساد الحكومي وكيف يمكن القضاء عليه.

إن المتفقد لأحوال بعض المؤسسات الحكومية العربية يجد أنها تتفوق في الفساد الإداري على تايلاند وغيرها من دول العالم حتى فقدت مصداقيتها أمام الاستثمارات الخارجية، بالرغم من أن دولها تتفرد بإمكانيات اقتصادية وسياحية لا تقارع في العالم العربي، فأصبح الفساد سمة ظاهرة بين أفرادها، حتى لدى الباعة المتجولين من الأطفال، وفي المطاعم والمطارات، وأصبح الفساد ركيزة أساسية لكل من أراد أن يسد رمقه، وهي بالتالي في أشد الحاجة إلى مثل هذه المبادرات من اليابان وتايلاند.

الجميع يقر بأن الفساد آفة يجب استئصالها من المجتمع، ولكن عندما تلوح لهم الفرصة فإنهم يضربون بكل مفاهيم النزاهة عرض الحائط، ويبررون ذلك بأن هذا هو الطريق الوحيد للحصول على مطلبهم وأن جميع المتعاملين يتبعون هذا الأسلوب، عندها يصبح الفساد منهجا ويصير جزءاً لا يتجزأ من عمل المؤسسات الحكومية دون أن يشعر به أو يلتفت إليه القائمون عليها.

وتعظم خطورته إذا تعاقبت أجيال من الموظفين على مواقع حكومية فاسدة فيصعب عليهم أن يفرقوا بين المعاملات الفاسدة والسليمة، فعندما يلغي موظف ما التأمين المفروض على شركة مقاولات معينة دون أن يعلم لماذا فعل ذلك سوى أن زميله الذي كان قبله كان يقوم بهذا العمل، يصبح من الصعب الحد من انتشار الفساد ومحاربته.

يقترح «كوفمان» بعض المبادرات للحد من الفساد، كإلغاء الدعم الحكومي المقدم إلى بعض المنشآت، والحد من اللوائح التنظيمية واشتراطات التراخيص ضد دخول شركات جديدة ومستثمرين جدد، والقضاء على احتكارات المؤسسات المملوكة للحكومة وخصخصتها، وتحسين إعداد الميزانية الحكومية، وتدعيم نظم الرقابة الداخلية والخارجية في القطاع الحكومي، والأهم من كل هذا وجود صحافة حرة تفضح الممارسات الحكومية الفاسدة وتضع جميع السياسيين والنخب من أصحاب الممارسات الفاسدة أمام المجتمع ليعلم حقيقتهم وينزل بهم ما يستحقونه من عقاب.

إن محاربة الفساد تتطلب إرادة من القيادة العليا في المؤسسات الحكومية والتزاماً تجاه الوطن وأفراده، كما تتطلب وقتاً ليس بالقصير لرؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع، ولنكن موضوعيين في مبادراتنا ولا نتوقع أن نقضي على الفساد تماماً، فالفساد قديم قدم البشرية إلا أنه يدق ناقوس الخطر عندما يتأصل في المجتمع ويكون سمة مقبولة بين أفراده، عندها ينعدم الأمن وتدخل البلاد في فوضى عارمة ليزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً.

يقول مهاتير محمد في معرض حديثه عن الفساد: «المجتمع الذي ينتشر فيه الفساد يعيش في خوف، والأمناء من الناس لا ينعمون بالعدل، لأن العدل لا وجود له في مجتمع فاسد، والفساد الذي يحول دون القضاء على الفساد هو أسوأ أشكال الفساد».

باحث إماراتي

asser.hareb@gmail.com